بنفسج

قصتي.. آلاء الرحمن شماسنة

الخميس 09 مارس

في ذاك الوقت كنت من أوائل اللواتي قبلن بالزواج من أسير داخل السجن، فأصبحت حديث الجامعة، يأتين نحوي الفتيات ويسألن كيف قبلت به؟ ومنهن من تسألني هل نقبل مثلك بأسير؟ لا أدري ماذا أقول! فلكل تجربة لها خصوصيتها. نحن أهالي الأسرى نعيش بالأمل وعلى الأمل، أسمي زوجي "أبو المعنويات العالية".. يمنحني ومن حوله دفعة قوية بالحب، طبعه ضحوك، يحب الحياة، ويعطي كل ذي حق حقه، محب لأطفاله، أب مثالي، في زيارتي له يغمرني باللطف وبأمل أن الغد أجمل لنا.  

إني رُزقت حبه فكان ثمرة هذا الرزق خمسة عناقيد

-"يا أشرف اصحى اصحى رح يعتقولك".

-"مالك إيش فيه يا ساتر".

-"حلمت إنه الجيش جاي يعتقلك قوم ألبس وضب الجوال".

-"نامي يا آلاء نامي هاد حلم فش منه".

وسط حوارنا هذا سمعت وقع الأقدام، فتحت النافذة فرأيتهم يحاوطون البيت، فقلت له: "ها قد أتوا جهز حالك وضب تلفونك". ولم أكمل حديثي وإذ بهم يقتحمون المنزل. كانوا حوالي ٢٠ جنديًا، وفي الخارج ٢٠ آخرين، فقلت لأبي معاذ "والله إنك كبير كل هدول جايين يعتقلوك". فضحك ضحكة طويلة. نحن اعتدنا على مواجهة أحزاننا بالضحكات لعلها تخفف من وجع الفراق.

لم يكن الاعتقال الأول له، إذ سبقته اعتقالات عديدة، حيث قضى ما مجموعه حوالي ٥ سنوات في سجون الاحتلال، هل اعتدنا؟ أبدًا كل مرة ينفطر قلبنا. أحاول أن أظهر بمظهر قوي أمام أبنائي وأحرص على أن لا يشاهدوا وضع الأصفاد في يديه.

لطالما كان النجم الساطع لقلبي، أردته شريكًا لي منذ زمن وشعرت أنه النصيب الذي قدره الله لي، لقد تعارفنا في ظروف فريدة، لم أره ولو مرة قبل الخطوبة، كان في الأسر وارتضيته زوجًا لي على سيرته الطيبة، تعارفنا عبر الهاتف فقط، أما عن اللقاء الأول، فكان بعد شهرين من الخطوبة، رأيته ورآني، كنت في قمة توتري وخجلي، ولحتى هذه اللحظة لم أنسه.

في ذاك الوقت كنت من أوائل اللواتي قبلن بالزواج من أسير داخل السجن، فأصبحت حديث الجامعة، يأتين نحوي الفتيات ويسألن كيف قبلت به؟ ومنهن من تسألني هل نقبل مثلك بأسير؟ لا أدري ماذا أقول! فلكل تجربة لها خصوصيتها.

نحن أهالي الأسرى نعيش بالأمل وعلى الأمل، أسمي زوجي "أبو المعنويات العالية".. يمنحني ومن حوله دفعة قوية بالحب، طبعه ضحوك، يحب الحياة، ويعطي كل ذي حق حقه، محب لأطفاله، أب مثالي، في زيارتي له يغمرني باللطف وبأمل أن الغد أجمل لنا.

رفاقنا الأبديين أطفالنا، هم زادنا في هذه الدنيا، نصمد لأجلهم، لا تسقط دموعي في كل اعتقال لوالدهم لأحافظ على نفسيتهم، والسؤال الأصعب في كل مرة: "متى بابا مروح؟". قبل العيد قلت لهم بعد العيد وبعده قلت لهم الشهر القادم، وهكذا حتي يأتي وقت التحرر وانتهاء محكوميته، من المقرر أن يخرج في العاشر من آب/ أغسطس الجاري. اسأل الله أن يفرج عنه بخير وسلامة.

لأخبركم قليلًا عن الصغار؛ أكبرهم معاذ ١٣ عامًا لاعب كرة قدم محترف، نسخة من الده في الطبع. عاد مؤخرًا من إسبانيا بعدما أنهى مدة ابتعاث له لتمثيل فلسطين مع فريقه. تليه ليان وهي تشبهني جدًا، أما يحيي ٦ أعوام لا يشبه أخوته، جدي للغاية، له مواقف أكبر من عمره. وآخر العنقود إبراهيم وجوان توأم يبلغان من العمر عامان ونصف العام، وهما فاكهة البيت وضحكته.

أواسي نفسي دومًا في لحظات الضعف بأن الله اختارنا لهذا الطريق وهو يعلم أننا سنتحمل كل شيء، كان يقيني معي في هذه الرحلة الطويلة. رفيق الدرب يحب الأقصى، ولكنه ممنوع أمني من دخوله، يمني نفسه بلقاء قريب في باحات القدس. حين التحرر سأطهو له الدوالي وأصنع المعمول الذي لم أصنعه بالعيد، فيوم اللقاء هو يوم عيدنا الحقيقي. بدأنا أنا وأطفالي تحضيرات الزينة للقاء القريب في العاشر من أغسطس الجاري. سنجتمع، نعم، سنذهب حيث نابلس لنعيد ذكرياتنا الجميلة هناك، فنحن نحبها حب لا ينافسه في ذلك أي مدينة أخرى. دأبنا أن نُبتلى.. عهدنا أن لا نمل.