بنفسج

قصتي.. تيماء أبو رموز

السبت 11 مارس

أيذكر المرء حادثة مر عليها أعوام، حين كان طفلًا، ما زال يفهم مفردات الحياة، أنا أذكر حلم والدي الذي بناه بيديه، منزله الذي عافر لأجل إكمال بنائه، ودفع مقابله غرامات مالية لقوات الاحتلال، مع أن البيت ملك له، ويزعم الاحتلال أن المنطقة ممنوع البناء بها، ولكن أبي رفض القرار. بعد سنوات من الحدث، اقتحم الجنود فجأة منزلنا بهمجية لم أر مثلها من قبل، أرعبت أخي الصغير البالغ من العمر ثلاث سنوات. 

"ولا يهمك يما هاد كله حيطان، وهاد كله بتعوض، أهم شي كتبك ودراستك يما". هذا كان رد أمي الصابرة المحتسبة على أخي الذي قُهر لهدم منزلنا من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي دون سبب مقنع. 

 أن تهدم ذكرياتك أمام عينيك، إنها لكارثة، طفولتنا ضحكاتنا آلامنا كله سقطت مع السقف الذي انهار بالإجبار. لم نستطع حتى الاعتراض على قرار قوات الاحتلال الإسرائيلي، يحاوطنا الجنود بشراسة، ومقابلنا كل شيء ينهار. 

أنا تيماء أبو رموز ، طالبة في قسم التاريخ والعلوم السياسية في جامعة بيرزيت، واعمل متطوعة في لجنة فتيات الأقصى، مولودة في القدس وتحديدًا في بيت حنينا حيث منزلنا السابق. والآن في كفر عقب. 

أيذكر المرء حادثة مر عليها أعوام، حين كان طفلًا، ما زال يفهم مفردات الحياة، أنا أذكر حلم والدي الذي بناه بيديه، منزله الذي عافر لأجل إكمال بنائه، ودفع مقابله غرامات مالية لقوات الاحتلال، مع أن البيت ملك له، ويزعم الاحتلال أن المنطقة ممنوع البناء بها، ولكن أبي رفض القرار. بعد سنوات من الحدث، اقتحم الجنود فجأة منزلنا بهمجية لم أر مثلها من قبل، أرعبت أخي الصغير البالغ من العمر ثلاث سنوات. 

"هلأ هلأ بدك تطلع من البيت معنا قرار هدم"... رأيت وجه أبي فبدت عليه ملامح الصدمة، انقلبت دنياه في ثواني، كان سيصلي الفجر ويذهب للعمل، كيف تنقلب الحياة هكذا ببساطة؟ اقتادوه عنوة لساحة البيت واضعين السلاح في منتصف رأسه، ضربوه ونكلوا به. 

كل ما قاله: أعطوني فرصة أخذ أغراضي من البيت". رفض الجنود بشدة المهلة، ومنعونا أن نأخذ أي شيء من منزلنا سوى الأوراق المهمة وكتبنا فقط. والباقي أصبح كومة تحت الأنقاض. 

ليس بالشيء اليسير أن تنقلب حياتك رأسًا على عقب، وتصبح حرفيًا لا مأوى لك سوى الشارع، أذكر بالرغم من صغر عمري وقتما دخلت المجندة غرفتنا وهي تغني بطريقة مستفزة لتخبرنا أن نرتدي ملابسنا ونخرج فورًا. 

"انتوا بدكم تهدموا البيت وخلص ليش حاصرتونا بدي أشوف بيتي لآخر مرة"... أمي كانت في حالة انهيار تامة ولكنها تحاول أن تُظهر العكس، تواسينا وتخفف عنا، والنار تقيد في صدرها كرهًا وبغضًا لاحتلال كل ما يفعله هو قهرنا. خمس جنود محيطين بنا، يمنعوننا من الاقتراب من المنزل. وحين انتهت عملية الهدم صافح الجنود بعضهم ورددوا بفرحة: "تمت عملية الهدم بنجاح". 

"يا ماما ليش عملوا في دارنا هيكا" كلمات عبّر بها صغير عمره ثلاث أعوام. كل ما يستوعبه أن دارجته الصغيرة بقيت تحت الركام، ركض ليبحث عنها وعن ألعابه. ولم يجدها إلا حطامًا. ظل صغيرنا يخاف لفترة بمجرد أن يرن جرس الباب ويردد في رعب: "أجو أجو يهدوا بيتنا كمان مرة". 

مرت الأعوام ولم ننس قهرنا ولا منزلنا الأول، نقطن الآن في منزل يبعد عن منزلنا القديم ساعة كاملة. وكلما مررنا من عنده نقول: "إييه كان عنا بيت هنا".