بنفسج

قطار الأقصى.. جولات سياحية للأطفال

السبت 11 مارس

أدركت أنه ليس هنالك أنبل أو أهم من تعليمهم حب الأقصى وتاريخه، خاصة في مدينة لم يترك الاحتلال أي فرصة إلا واستغلها لتهويد التعليم وأسرلة المناهج الدراسية، وتخويف واعتقال الأطفال في الأقصى، وفي أزقة البلدة القديمة وزرع كل أنواع الفساد، وتسهيل الوصول إليه بين جيلهم، وتفكيك أسرهم، وزيادة الضغط المالي والقانوني على آبائهم لتعجيزهم وتكريس وقتهم للسعي وراء لقمة العيش بعيدًا عن تاريخهم ومجدهم.

تشكي تشكي توت تشكي تشكي توت قطاري في الأقصى يدور"... قبل ثلاث سنين من الآن لم يكن هناك وجود لهذا القطار، قطاري اللطيف أصبح مركب حياتي ومسارها عندما أنهيت دراسة السياحة والآثار.  كنت كأي خريج جامعي متحمسة لممارسة ما تتعلمه والعمل به، ولأن بلادنا تعج بالسياحة بكل أنواعها، فكان سوق العمل "كما يفترض" ينتظرنا، ولكن الواقع في القدس مختلف في مركز الديانات ومهد الأنبياء. 

وفي أجمل لوحة تاريخية في العالم كان بانتظارنا سوق العمل" الإسرائيلي" الذي يسيطر على واقع السياحة في مدينه القدس، وعلى التعليم والمدارس ومكاتب السياحة، وكانت هذه البداية، كان ينبغي أن يستكمل أي مرشد سياحي سنتين في الجامعة العبرية لدراسة الرواية التوراتية، وأن يجتاز امتحانًا باللغة العبرية لكي يحصل على رخصة الإرشاد، الأمر الذي ضيق سوق العمل ليقتصر بالنسبة لي على جولاتٍ للأطفال وطلاب المدارس كل هذه السنوات من دراسة الآثار والفنون المعمارية لإرشاد أطفال. 

هل سأحدثهم عن العمارة المملوكية، أم عن نظام بناء القبة! أذكر أنني وافقت على مضض، ولكن سرعان ما تغير كل شيء. في اليوم التالي، دخل الأطفال، من بين الجنود، من الأبواب إلى ساحات المسجد الأقصى وعيونهم تتفقد كل شيء.

أجسادهم الصغيرة كانت ترغب باحتضان المكان كله، وهنا بدأ قطارنا بشكل عفوي ينشد أثناء سيره في الأقصى، ويقف أمام كل معلم من معالمه، وركابه الصغار يستمعون لحكاية كل معلم، تارة يضحكون، وتارة يدهشون.

 لم يلمس قلبي شيء في الحياة مثل الخيال المتطاير من أعينهم وهم ينسجون صورًا لكل القصص التي يسمعونها ويقلبون أعينهم، متخيلين كيف وأين حصلت القصة التي يسمعونها. يحزنون لموت نور الدين زنكي ويفرحون لانتصار صلاح الدين، ثم يحزنون لحرق المنبر، ثم يبتسمون حين يلمسون الزجاج الذي يحمي الحديد المرمم، ويطالبون بالبقاء عنده لكي يحرسوه ولا يحرق مجددًا وسيفعلون، سيحرسونه. 


اقرأ أيضًا: هل تتحقق نصرة الأقصى "بالحب" فقط؟


هؤلاء هم الحراس الجدد لهذه المسيرة. أدركت كم الحاجة إلى ربط الأطفال بالأقصى والقدس. هذا الطفل هو أمة الغد، وهو المربي والمعلم والمدير والمهندس والطبيب والقائد، بل وربما المُحرر الفاتح. 

أدركت أنه ليس هنالك أنبل أو أهم من تعليمهم حب الأقصى وتاريخه، خاصة في مدينة لم يترك الاحتلال أي فرصة إلا واستغلها لتهويد التعليم وأسرلة المناهج الدراسية، وتخويف واعتقال الأطفال في الأقصى، وفي أزقة البلدة القديمة وزرع كل أنواع الفساد، وتسهيل الوصول إليه بين جيلهم، وتفكيك أسرهم، وزيادة الضغط المالي والقانوني على آبائهم لتعجيزهم وتكريس وقتهم للسعي وراء لقمة العيش بعيدًا عن تاريخهم ومجدهم.

يحارب هؤلاء الأطفال في حرب خفية من أجل وجودهم وهويتهم الفلسطينية. ويقع على عاتقنا نحن تسليحهم بالمعرفة، وهذا شرفنا في هذه الحياة، وهذه ثغرتنا التي اخترناها لنحرسه، وليكون طريقتنا في التغيير وبصمتنا في صحائف قضية الأمة.