بنفسج

حيفا مدينة الجرح والحلم

الأربعاء 17 مايو

"كنت أفتش عن فلسطين الحقيقية، فلسطين التي هي أكثر من ذاكرة، أكثر من ريشة طاووس، أكثر من ولد، أكثر من خرابيش قلم رصاص على جدار السلم. وكنت أقول لنفسي: ما هي فلسطين بالنسبة لخالد؟ إنه لا يعرف المزهريه، ولا السلم، ولا الحليصة، ولا خلدون، ومع ذلك فهي بالنسبة له جديرة بأن يحمل المرء السلاح، ويموت في سبيلها، وبالنسبة لنا أنتِ وأنا، مجرد تفتيش عن شيء تحت غبار الذاكرة، وانظري ماذا وجدنا تحت ذلك الغبار غبار جديد أيضًا!

لم تكن حيفا بالنسبة لي يومًا مجرد بلدة صغيرة حُفِر جمالها في طيّات الزمن، لم تكن مجرد تاريخ أو مكان، بل لطالما كانت "نكبة و بقاء". كل من قرأ رواية عائد إلى حيفا لكنفاني، يحمل داخله بيتًا صغيرًا في ذلك الحي، بيتًا حيث لم يُهجَر خلدون، ولم تبكي صفية، ولم يضع الوطن.

حيفا.. مدينة الجرح، والحلم كما سُمّيت، جعلت من جراحها، ونزيفها إبداعًا أدبيًا سينيمائيًا وفنيًا، في نكبة 1948 سُلبت هذه المدينة بما تحمله من خصوصية تاريخية وجمالية من أهلها، ومن كل من يحمل في داخله وطنًا وهوية، فراح كل منهم يبحث عن هذا الوطن حاملًا الاشتياق، الألم والأمل.
هناك، حيث البحر والأحلام، ضاعت حيفا بين الصحف والأوراق، وضاع معها الوطن.

يقول غسان: "الوطن هو ألا يحدث هذا كله". الوطن هو ألاّ نهجّر للخيام، ألا نترك وراءنا الذاكرة والذكريات، ليس دموعا ذرفناها طوال الطريق، ولا ألما حملناه في صدورنا، لم يكن الوطن يومًا دماءً لطخت الأرض، ولا سكاكينا مزّقتنا.

ذلك الوطن الذي فتّش عنه غسان من خلال سعيد في روايته داخل بيت تركه منذ عشرين سنة، وشوارع هجرها لتصبح عبريّة هي الأخرى، في ملامح وجه ابن لا يشبهه في شيء، ليكتشف أن حيفا ليست كل هذا، و الوطن ليس ما نحمله من ذكريات، بل هو ما نصنعه من مستقبل.

"كنت أفتش عن فلسطين الحقيقية، فلسطين التي هي أكثر من ذاكرة، أكثر من ريشة طاووس، أكثر من ولد، أكثر من خرابيش قلم رصاص على جدار السلم. وكنت أقول لنفسي: ما هي فلسطين بالنسبة لخالد؟ إنه لا يعرف المزهريه، ولا السلم، ولا الحليصة، ولا خلدون، ومع ذلك فهي بالنسبة له جديرة بأن يحمل المرء السلاح، ويموت في سبيلها، وبالنسبة لنا أنتِ وأنا، مجرد تفتيش عن شيء تحت غبار الذاكرة، وانظري ماذا وجدنا تحت ذلك الغبار غبار جديد أيضًا!

لقد أخطأنا حين اعتبرنا أن الوطن هو الماضي فقط، أما خالد فالوطن عنده هو المستقبل، وهكذا كان الافتراق، وهكذا أراد خالد أن يحمل السلاح. عشرات الألوف مثل خالد، لا تستوقفهم الدموع المفلولة لرجال يبحثون في أغوار هزائمهم عن حطام الدروع وتفل الزهور، وهم إنما ينظرون للمستقبل، ولذلك هم يصححون أخطاءنا، وأخطاء العالم كله.