بنفسج

قصتي.. شذى ماجد حسن

الأربعاء 17 مايو

ما تقلق عليا يا ماجد أنا جبل"، كنت بعمر التاسعة حين نطقت أمي بهذه الكلمات والجنود حولها يعتقلونها. كنت أعرف مسبقًا ماذا يعني أن يُعتقل الشخص من منتصف بيته وهو آمن، في لحظة يبدد هذا الأمن، وتقفز فوق رأسك قوات الاحتلال الإسرائيلي، أنا جبل سمعتها منذ سنوات عديدة وما زلت أذكرها، شعوري وقت اعتقال أمي كان حارقًا، وحين اعتُقل والدي بعدها بأربعة شهور، خارت قواي أنا وأخوتي، في وقت كنا من المفترض فيه أن ننعم بأحضانهما في الليالي الباردة. لم ننعم بحياة طبيعية منذ أن ولدت، وعيت على غياب أبي لفترات عن المنزل إثر اعتقاله، نراه شهورًا قليلة، ثم يعاودون اعتقاله، فكان لهذا عظيم الأثر في نفوسنا.

ما تقلق عليا يا ماجد أنا جبل"، كنت بعمر التاسعة حين نطقت أمي بهذه الكلمات والجنود حولها يعتقلونها. كنت أعرف مسبقًا ماذا يعني أن يُعتقل الشخص من منتصف بيته وهو آمن، في لحظة يبدد هذا الأمن، وتقفز فوق رأسك قوات الاحتلال الإسرائيلي، أنا جبل سمعتها منذ سنوات عديدة وما زلت أذكرها، شعوري وقت اعتقال أمي كان حارقًا، وحين اعتُقل والدي بعدها بأربعة شهور، خارت قواي أنا وأخوتي، في وقت كنا من المفترض فيه أن ننعم بأحضانهما في الليالي الباردة. لم ننعم بحياة طبيعية منذ أن ولدت، وعيت على غياب أبي لفترات عن المنزل إثر اعتقاله، نراه شهورًا قليلة، ثم يعاودون اعتقاله، فكان لهذا عظيم الأثر في نفوسنا.

أنا شذى حسن ابنة القيادي الفلسطيني ماجد حسن، أشبهه في حب العمل الوطني، وأشبه أمي في شكلها وقلبها، خليط ما بين الاثنان افخر به. عشت طفولة دعوني أقول مؤلمة بسبب الفراق الدائم لوالدي واعتقاله. عرفت سجن النقب وطرق الذهاب إليها في عمر السادسة. لم يكن أحد غيري وأنا في الصف الأولى يعرف مصطلحات الأسر كالفورة والبرش وغيرها، كان ذلك غريبًا على زملائي بالمدرسة، فأشرح لهم معاني الكلمات، وأخبرهم أن والدي بالأسر لذلك اعلم جيدًا كل الكلمات الخاصة بالأسرى.

كنت محظوظة خلال فترة اعتقال أمي بصديقاتها اللواتي نظمن جدولًا بينهن، ليأتين وقت مغادرتي للمدرسة لأخذي وإيصالي للبيت، ممتنة لهن لهذه الحظة، ولكن كان أقصى طموح بالنسبة لي وقتها أن تعود أمي لتأخذني من باب المدرسة كعادتها.

أن تكوني ابنة رجل قضى جل حياته بين أروقة المعتقل، يداهم بيته في كل مناسبة من دون وجه حق، ليس بالشيء السهل، وأن تكوني معرضة للاعتقال في أي وقت إثر عملك الطلابي والنقابي بالجامعة شيء مثير للقلق، هل كنت أخاف الاعتقال؟ أقولها صراحة، كنت خائفة من أن اعتُقل، وفي جلسة مع والدي قبل اعتقالي بحوالي عام ونصف العام، صارحته بمخاوفي. ما كان منه إلا ضحك "له يا بابا ما تخلي الفكرة ببالك، وبدي أقولك نحنا ما بنتمنى لقاء العدو، لكن إذا لاقيتموه فاصبروا". فقلت: "لا ليش بتحكيلي هيكا ما بدي اعتُقل". رد: "يا بنتي هذا واقعنا، الكل الفلسطيني معرضون للاعتقال".

حين اعتقلت من وسط منزلنا، شعرت بغصة في القلب لا يداويها أي شيء في العالم، أو هكذا كنت أظن حينها، حتى جربت الفراق عن الأسيرات التي عشت معهن لفترة لم تكن بالطويلة، ولكنها غيرت شذى تغييرًا كليًا، فخرجت من الأسر بشخصية أكثر رقة وصلابة وأكثر زهدًا. حين لوحت لهن تلويحة الوداع كن يبكين وبكيت أنا، فكانت أكثر ألمًا من يوم دخولي السجن. يا الله كيف سأتركهن خلفي وأخرج للسجن الكبير، أي نعم ظاهرة حرية لكنه أسر يتحكم فيه جيش الاحتلال. قُهرت وتألمت على الرغم من أنني واجهت مواقف القهر جل حياتي من قبل الاحتلال، مذ أن كنت طفلة بجدائل وحتى اللحظة.

الأب كتفك الثابت الذي لم ولن يستطيع أحد إزاحته من مكانه، لطالما قلت إن علاقتي بالعائلة لا تشبه أي شيء في الدنيا، نحن جميعنا أنا وأشقائي نقدس معنى العائلة، لنا طقوس لا نتجاوزها، بالرغم من أن أبي كان مغيبًا لفترات عنا إلا أن أمي حافظت على جونا العائلي، أذكر من أيامنا الجميلة التي كانت ولا زالت، قصص أبي التي كان يقصها علينا عن ذكرياته الجامعية في بيرزيت، وهذا شكل الحب الكبير بيننا وبين جامعة بيرزيت. نحبها بالوارثة، نعم. حواديث كثيرة لا نهاية لها تجمعنا بأبي، وأدعو الله أن يديمها علينا.

"عارفة يا بابا كل مرة بعجب فيكِ أكتر".. أوووه يا له من حظ عظيم أن يكون مثلي الأعلى وقدوتي بالحياة معجبًا بي ويقولها علانية، ممتنة كون هذا الرجل المعطاء المناضل والدي، لم أذكر أنه قال لي في مرة كلمة "لأ"، أو أجبرني على اتخاذ قرار ما. نجلس جلستنا المعتادة وأكواب الشاي حاضرة، ونبدأ حلقة النقاش لنرى من سيغلب الآخر، نختلف مرارًا في وجهات النظر، أقنعه ويقنعني.

تجربة السجن كانت قاسية بالنسبة لي، ولكني رضيت حينها بقضاء الله وقدره، نويت أن أخذها كتجربة بحلوها ومرها، هناك رأيت الوجه الآخر للحياة، عرفت ماذا يعني الاشتياق، تعلمت الصبر على أصوله الحقيقية. آمنت أكثر بقيمة العائلة، عرفت أنه توجد دموع باردة وساخنة، لربما الساخنة كانت تكون من لوعة الشوق للأهل. عرفت ماذا يعني الهم والحزن القابع في صدر صاحبه. رأيت نفسي بلا هم مقابل الأسيرات اللواتي كن معي.

‏"أنا ضد البكاء يا الله، ولكنني أبكي، لأن حجم الحزن الذي سكن بداخلي أكبر من أن أتحمله، أبكي لأني أصبحت أجهل كيف باستطاعة المرء أن يفر من ألمه". كنت قرأت هذه العبارة مسبقًا ودعوني أقتبسها هنا. أيفر المرء من ألمه؟! ولا يمكن يبقى ثابتًا في القلب لا يزيله أي شيء في العالم. بكيت كثيرًا في ليالي الأسر وأنا أرى أسيرة تضم صور أطفالها وتبكي، فأصمت في حضرة الألم، فلا تكفي كل مواساة الدنيا لتخفيف ألمها الجلل. أغمض عيني وأبكي فيطول الليل أكثر، نعم ليل الحزانى طويل معتم.

لأخبركم عن عملي النقابي في أروقة الجامعة التي أحب "بيرزيت"، كنت أعمل مسؤولة العلاقات العامة في مجلس الطلبة. رفضت في البداية هذا المنصب وأيدني العائلة؛ ولكن الأصدقاء نجحوا في إقناعي بالقبول. حقيقة كنت أراها مسؤولية كبيرة، وخفت أن لا أنجح فيها. ولكن بفضل الله أثبتت كفاءتي بالرغم من صعوبة التوفيق بين الدارسة، وأعمال مجلس الطلبة، ولكني حاولت ولم أندم ولو لمرة دخولي مجلس الطلبة. نفذت أنشطة عديدة وكانت تنال إعجاب الطلبة. ومن أكثر النشاطات التي نفذتها وأفخر بها سلسلة "للخير نمضي"، كانت عبارة عن زيارات نقوم للمسنين أو الأيتام وغيرها من أعمال الخير.

"لا بأسَ، سوفُ تمرُّ مثل سحابةٍ عجلا، وتصبح في ذرى النسيانِ". هذا ما كنت أواسي نفسي به في كل وقت صعب. كانت تلك الجملة تمسح على قلبي برفق. ونهاية.. أخبركم بأنني لا أطمح سوى إلى أن يرضى الله عني. ودعواتي لكل الأسرى أن يفرج كربهم.