بنفسج

كانت كلمة وكل إناء بما فيه ينضح

الأربعاء 17 مايو

وهذه الدنيا التي لا تساوي جناح بعوضة!! وكيف يوم تمور السماء مورًا، ويوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات، وتتناثر الكواكب، وترجف الأرض والجبال وتسجر البحار! نحن في إطار صورة واحدة، جميعنا بلا استثناء؛ نعاني من هموم متساوية، تكدر علينا عيشنا، ولكنها بنسب مختلفة، لا تظن أنك تفوقني همًا، لا ورب السماء، لكن الفرق يكمن في الأيمان أولًا، والتعامل مع البلاء والمصاب والهم والكرب ثانيًا.

كنت أملك طاقة رهيبة من التفاؤل في ذلك اليوم؛ استيقظت لصلاة الفجر، ومن ثم قرأت سورة البقرة، وسبحت، وذكرت الله كثيرًا، وجلست لأنتظر موعد دوامي، وفعلًا، جهزت نفسي وخرجت من البيت، وركبت الباص العمومي، أردت أن أدفع الأجرة، فقلت لمن تجلس بجانبي "هل تريدين دفع الأجرة؟"، حتى والله، لأسهل عليها لا أكثر.

وبدأت بالصراخ والثرثرة بما أنزل الله به من سلطان، قائلة بطريقتها: "لا بديش أدفع زفت، أنت مسؤولة أني أدفع ولا ما أدفع؟ ولا بدك تسرقيهن؟". أسمعت كل من في الباص، انبهر السائق من موقفها قائلًا لها: "ولو شو حكتلك البنت صلي على النبي"، فجحرته قائلة: "خليك بشغلك أنت؛ محدا وكلك محامي عنها، ولا عشيقتك وأحنا مش عارفين"!

عندما سمعت بهذا الهراء، طلبت من السائق الوقوف إلى جانب الطريق لأنزل، مع أننا كنا في بلد غير بلدنا، بالبداية رفض، ولكن بعد أصرار مني أوقف الباص معتذرًا ونزلت. وقفت بحالة صدمة من موقفها وموقفي، لا أدري لماذا التزمت الصمت مع أنني كنت قادرة على الرد، أخذت هاتفي لأطلب رقمًا ما، لكن لم يخطر ببالي أحد، فبكيت، ليس لهشاشتي وضعفي، وإنما لأنفس وصلت لحال لا يرثى لها".

يشبه الأمر وكأنك تقف على صراط مستقيم، أرق من الشعرة وأحد من الشفرة. لماذا أصبح التعامل مع الناس هكذا، وكأنك تتعامل مع حواف زجاجية، يا للأمر كم هو مهلك للنفس البشرية. إن خرجت كلمة عفوية منك، يشعرونك كأنك أطلقت رصاصة من فوهة بندقية لا دين لها، مع أنها كلمة جاءت في مهب الريح لا تسمن ولا تغني من جوع. أين الكفوف المواسية المربتة على أكتافنا؟ لماذا الجفاء أطبق على صدورنا، وأغشيا على أبصارنا، وأصبحنا على هموم بعضنا صمًا بكمًا عميًا.

وهذه الدنيا التي لا تساوي جناح بعوضة!! وكيف يوم تمور السماء مورًا، ويوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات، وتتناثر الكواكب، وترجف الأرض والجبال وتسجر البحار! نحن في إطار صورة واحدة، جميعنا بلا استثناء؛ نعاني من هموم متساوية، تكدر علينا عيشنا، ولكنها بنسب مختلفة، لا تظن أنك تفوقني همًا، لا ورب السماء، لكن الفرق يكمن في الأيمان أولًا، والتعامل مع البلاء والمصاب والهم والكرب ثانيًا.

لا تخرج همك على وجهك ولسانك، أن الله لا يعذب بدمع العين، وحزن القلب، ولكن يعذب باللسان، لا تجعل لسانك كالنائحات النادبات. عاملني ببشاشة لأعاملك وليعاملونا، وليصبح الكون عامرًا بابتسامات تصفو وتسمو على الحزن والكرب؛ حبًا لله.