بنفسج

قصتي.. نورا صب لبن

الخميس 17 اغسطس

كنت حين أستيقظ صباحًا، أذهب لشرفة المنزل أفتحها وأكحل عيني برؤية باحات الأقصى، لينجلي كل ما في قلبي من حزن أو ضيق، أرتشف مع أسرتي وزوجي القهوة ونحن ننظر للأقصى، نستمع لأصوات الأطفال يلعبون ويلهون في ساحاته، ولصوت الآذان يصدح من مآذنه. في بيتي الذي سرقوه المستوطنين ظلمًا عدوانًا وقهرًا، ولدت أنا وأخوتي، تربينا وعشنا أجمل لحظاتها، كبرنا وتعلمنا الكثير من تجارب الحياة، ودعنا أبي باكرًا، وعشنا في كنف أم حنونة عظيمة، جمعت شملنا وداوت قلوبنا وحاولت جاهدة أن تعوض غياب والدنا، لكنا ما لبثنا أن فقدناها أيضا وأنا في عمر 13.

 ولدت في هذا المنزل، تربيت فيه، ثم تزوجت وأنجبت أبنائي كلهم فيه، في كل جدار وزاوية ذكريات لا تنسى محفورة في عقلي وقلبي، لكني هجرت منه قسرًا، بقرار جائر من حكومة محتلة. أنا نوار صب لبن ( 67 عامًا) والملقبة أم أحمد، أسكن حي عقبة الخالدية في البلدة القديمة بمدينة القدس المحتلة، في منزل بجوار المسجد الأقصى، منزلي صغير متواضع، لكنه لا يقدر بكنوز الدنيا كلها، فإطلالته الجذابة على أقدس الأماكن الدينية جعلته مطمعًا للاحتلال ومستوطنيه.

كنت حين أستيقظ صباحًا، أذهب لشرفة المنزل أفتحها وأكحل عيني برؤية باحات الأقصى، لينجلي كل ما في قلبي من حزن أو ضيق، أرتشف مع أسرتي وزوجي القهوة ونحن ننظر للأقصى، نستمع لأصوات الأطفال يلعبون ويلهون في ساحاته، ولصوت الآذان يصدح من مآذنه.

في بيتي الذي سرقوه المستوطنين ظلمًا عدوانًا وقهرًا، ولدت أنا وأخوتي، تربينا وعشنا أجمل لحظاتها، كبرنا وتعلمنا الكثير من تجارب الحياة، ودعنا أبي باكرًا، وعشنا في كنف أم حنونة عظيمة، جمعت شملنا وداوت قلوبنا وحاولت جاهدة أن تعوض غياب والدنا، لكنا ما لبثنا أن فقدناها أيضا وأنا في عمر 13.

وبالرغم من صغر سني بعد وفاة والدتي، إلا أنني كنت الأم والأب لإخوتي، وقع على عاتقي تربيتهم ورعايتهم من جهة، ولواء الدفاع عن بيتنا من أطماع الاحتلال ومستوطنيه من جهة أخرى، واستمرت أطماعهم لسنوات طويلة، ومحاولاتهم لم تنقطع في طردنا وإبعادنا عن المنزل، لكني كنت لهم بالمرصاد، لم أغادر هذا المنزل يومًا واحدًا، ولم يخلو ولو ساعة من وجودنا.

كبرت وتزوجت وأنجبت أبنائي كلهم في هذا المنزل، كي لا يحلم الاحتلال بالسيطرة عليه، وعلمت أبنائي وربيتهم، ليدافعوا عن قضيتنا كفلسطينيين ومقدسيين، أمام العالم والمحافل الدولية، ووثقت علاقتي بالمتضامنين الأجانب والعرب، وكل من يدافع عن القضية الفلسطينية، ليس من أجل قضيتي فحسب، بل من أجل قضية الفلسطينيين في القدس، المهددين دومًا بالتهجير والترحيل.

وها أنا ذا بت بعيدة عن مسقط رأسي، عن صندوق ذكرياتي، وبيت أحلامي، عن رائحة أمي التي كنت أشتمها في كل زاوية في المنزل، عن مكان جلوسها وفراشها الذي كنت أتلحف فيه كلما ضاقت بي الدنيا، وعن شتلات النعناع التي زرعتها ولن تجد الآن من يسقيها.

لقد غادرت منزلي قسرًا، بعد 45 عامًا من الصراع مع الاحتلال في المحاكم، ليحل مكاننا المستوطنين، فلم يرق للاحتلال وجودنا فيه، رغم امتلاكنا ما يؤكد حقنا، من وثائق ومستندات ورثتها عن والدي، لكني على يقين أن لي عودة قريبة له، حين ينقشع الاحتلال عن فلسطين بأكملها، وعسى ذلك أن يكون قريبًا.