بنفسج

أشلاء في كيس أسود: آيات أبوهنود تروي حكاية الفقد

الجمعة 10 مايو

في كيس بلاستيكي أسود جُمعت أشلاء حبيبتها الأولى وملجأها الدائم، لم تستوعب عظم المصيبة فماذا يعني أن تودع جسد ممزق بفعل صاورخ حاقد. كانتا ستطفئا شمعة ذكرى ميلادها، وتتمنى لها الأمنيات بطول العمر! هل غادرت حقًا في يوم ميلادها! هل تاريخ الميلاد والوفاة متطابقين! ظلت تتساءل:هل هذه حقيقة! أين رأس أمي! أين جبينها الناصع البهي! أين سُتطبع قبلة الوادع الأخيرة!من أشد المصائب وقعًا على النفس الموت، فماذا لو كان الموت موتًا قاسيًا، لا وداع فيه، ولا جسد مسجى أمامك تناظره لتُشبع عيناك من وجه الحبيب قبل أن يُشيع نحو مثواه؟

آيات أبوهنود: من هُنا بدأت الحكاية 

شهداء غزة حرب طوفان الأقصى.jpg
ابنة أخت آيات أبوهنود، التي استشهدت وأمها ووالدها وأخوتها الثلاثة 

آلالاف من الشهداء في المحرقة التي حرقت غزة بالكامل، إبادة جماعية تُعرض عبر الشاشات، موت مصور، وأشلاء تتناثر على أعين الكاميرات وفي بث حي ومباشر، آيات أبو الهنود واحدة من اللواتي ذقن قساوة الحرب ففقدت والدتها وشقيقتها وأولادها، فكانت المصيبة متعددة الأركان.

تقول آيات بقلب مكلوم: "قبل السابع من أكتوبر بأيام قررت والدتي المكوث عند شقيقتي إيمان لأيام في مخيم الشاطئ، واندلعت الحرب وهي ما زالت عندها، ووقتها بدأ القلب يغلي كيف ستعود لبيتنا في رفح؟ بلغت الغارات ذروتها والاستهدافات في الشاطئ تزداد، فما كان منا أن وفرنا لها وسيلة مواصلات تابعة لوكالة الغوث لتأتي لرفح لنزيل الشوق والخوف قليلًا، فيما فضّلت شقيقتي وزوجها الصمود في غزة".

ظل قلب والدة آيات معلقًا حيث ابنتها إيمان وأطفالها، تضع يديها على قلبها مع كل خبر يأتي من مخيم الشاطئ، انقطعت الاتصالات فساءت حالتها خوفًا، علمت لاحقًا أن إيمان نزحت من بيتها إلى مراكز الإيواء، لكن القنابل والغارات لاحقتهم هناك، فقرروا النزوح نحو رفح حيث أحضان والدتها، فهدأ بالها قليلًا،كانت لحظات النزوح من الشمال إلى رفح مخيفة، ليس فقط على النازحين أختي وعائلتها، بل علينا أيضًا، أكل الخوف النفوس، وبلغت القلوب الحناجر، ولم يكن لنا إلا الدعاء حتى وصلتنا بسلام.  

رحلت أمي في يوم ميلادها

 
في السابع عشر من نيسان المنصرم، وصل لآيات الخبر "قصفوا بيت أهلك"، تردف: "وصلنا تلفون من صاحب زوجي بحكي بيت نسايبك انقصف
 
 صرخت وقتها مصدقتش كلمت ابن خالتي حكتلو احكي الصدق استشهدوا أهلي صح أمي راحت بكى وحكالي الله يرحمهم، استشهدت أمي بيوم ميلادها ملحقتش اقلها كل عام وأنتِ بخير".

تضيف آيات: "اجتمعت العائلة كلها في البيت، ولكن القصف لم يهدأ أبدًا، تم استهداف مسجد الهدى الملاصق  لمنزل أهلي فأصيب أخي وزوجته واُستشهدت ابنة عمي غادة، أما أمي وأختي وزوجها وصغارهم كُتب لهم النجاة هذه المرة، كان حزننا كبيرًا حينها فقد فقدنا شهيدة وتضرر البيت كثيرًا، ولكن أعادت عائلتي ترميمه ليسكنوه من جديد، وكنت قد رجوت أمي أن تأتي لتسكن عندي ليرتاح قلبي وهي بجانبي ولكن كان ردها: "ما بقدر أترك البيت".

لم تهدأ آهات الألم لدى آيات، فظل خوفها يلاحقها مع كل غارة تسمعها، فتركض نحو الهاتف لتسمع صوت والدتها الذي كان بمثابة مسكن لها، فتسكن وتهدأ، في السابع عشر من نيسان المنصرم، وصل لآيات الخبر "قصفوا بيت أهلك"، تردف: "وصلنا تلفون من صاحب زوجي بحكي بيت نسايبك انقصف، صرخت وقتها مصدقتش كلمت ابن خالتي حكتلو احكي الصدق استشهدوا أهلي صح أمي راحت بكى وحكالي الله يرحمهم، استشهدت أمي بيوم ميلادها ملحقتش اقلها كل عام وأنتِ بخير".

في خندق المفاهيم تعددت الخسارات لأهل غزة، فمنهم من فقد المال والولد والأهل والبيت، وأشد وقعًا على النفس فقدان الأم، خسارة آيات لم تكن هينة أبدًا، علمت فيما بعد أن جيش الاحتلال غدر بهم حينما بث أصوات لنساء وأطفال من طائرة الكواد كابتر، فهرولوا نحو الخارج ليعرفوا ما الذي يحدث ولكنه كان فخًا، سرعان ما سمعوا طلق ناري فوق البيت تلاه عدة صواريخ تزن نصف طن من المتفجرات، لتقضي على والدتها وشقيقتها وزوجها وأطفالهم الأربعة ونجى شقيق آيات وزوجته.

آيات أبوهنود: ابنة الشهيد والشهيدة 

لم تفقد آيات والدتها فقط بل اُستشهد والدها منذ أن كانت في الرابعة من العمر، أُخذ غدرًا بعدما أصر أن يصعد للمنبر ليؤذن آذان الفجر في وقت حظر التجوال في الانتفاضة الأولى
 
 اعتقله الجيش الإسرائيلي واقتادوه نحو مشفى الشفاء بعد تعذيبه لإجراء عملية جراحية له، ليفارق الحياة هناك
 
 ورفض الاحتلال إقامة مراسم الجنازة له، لكن شقيقه رفض رفضًا تامًا وقاموا بالصلاة عليه، ليتبين بعد ذلك أن الاحتلال الإسرائيلي قام بسرقة أعضاء والدها الشهيد. 

لم تفقد آيات والدتها فقط بل اُستشهد والدها منذ أن كانت في الرابعة من العمر، أُخذ غدرًا بعدما أصر أن يصعد للمنبر ليؤذن آذان الفجر في وقت حظر التجوال في الانتفاضة الأولى، اعتقله الجيش الإسرائيلي واقتادوه نحو مشفى الشفاء بعد تعذيبه لإجراء عملية جراحية له، ليفارق الحياة هناك، ورفض الاحتلال إقامة مراسم الجنازة له، لكن شقيقه رفض رفضًا تامًا وقاموا بالصلاة عليه، ليتبين بعد ذلك أن الاحتلال الإسرائيلي قام بسرقة أعضاء والدها الشهيد. 

وها هي آيات تعيش ذات الفقد من جديد بعد سنوات طوال، وإن فقدان الأم يجعل المرء كالطير المذبوح، تشعر وكأنك بلا ظهر، لم تستطع آيات وصف مشاعرها فكيف يرثي الإنسان أمه؟ لا تصدق أنها لن تجمعها بها صلاة الفجر بعد اليوم، لتدعو لها ولعائلتها بالسلامة والأمان، كان هذا جل ما تتمناه أن يغدو آمنين في بيتهم، تُصبر آيات نفسها بذكرياتها مع والدتها وتظل تردد  اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها.