بنفسج

دعاء قديح: مدرسة السلام والحرية لاحتواء أطفال الحرب في غزة

الثلاثاء 28 مايو

"ونحن نحب البلاد كما لم يحب البلاد أحد.. حتى في خرابها الأخير نحبها".. على حب البلاد عاشت، تغلبت على يأسها ومرارة النزوح المتواصل، ودفنت حزنها في قلبها، إذ دُمر البيت والجامعة وغزة كلها،

وانقلبت الحياة أسوء منقلب، ولكن لا مكان لليأس في حياتها، لملمت شتات النفس وعادت لتكون نورًا لنفسها ولغيرها في الطريق المعتم، يكفيها أن تكون على قيد الحياة لتلاحق أحلامها الصغرى والكبرى، ما زالت تحلم بالرغم من أن كل ما حولها يدعوها للاستسلام ولكنها غزية، وما أداركم ما همة الغزي وسط المعترك الحياتي الذي يعيشه، يعيش أفظع إبادة جماعية وما زال يحلم ويضع الأهداف، لم تنتظر أن تضع الحرب أوزارها لتبدأ مبادرتها بل فعلتها وسط السماء المحترقة بفعل الصواريخ وفي خيمة.

دعاء قديح: يكفك أن تكون على قيد الحياة لتلاحق أحلامك

الصف الذي تحول إلى مدرسة في مخيمات النزوح في غزة ومبادرة دعاء قديح.jpg

هذه دعاء قديح معلمة فلسطينية من غزة أرادت أن تضع بصمتها وتحدث أثرًا في حياة الصغار فقررت أن تكون وسيلة ليعودوا تدريجيًا للتعليم الذي انقطعوا عنه مجبرين بفعل العدوان الإسرائيلي على غزة، فأطلقت مبادرة "السلام والحرية" لتكون نجمة مضئية وأملًا متجددًا في دنيا الصغار الذين أرهقتهم الحرب.

دعاء خريجة قسم اللغة الإنجليزية من الجامعة الإسلامية وحاصلة على الدبلوم في التربية من الجامعة نفسها، وطالبة ماجستير في الترجمة في جامعة الأزهر، حينما أخذت نفسًا طويلًا من النزوح المتواصل واستقرت في مخيم للإيواء في مدينة دير البلح افتتحت مبادرتها، تقول: "خطرت الفكرة لي وأنا أشاهد الأطفال في مخيم الإيواء الذي أعيش به يركضون ويلعبون، فأصابني القهر والخوف على مستقبلهم التعليمي الذي دمرته الحرب، فلم يكن مني إلا التفكير في وسيلة لأكون عونًا لهم حتى أساعدهم في بناء مستقبلهم، فقررت أن أفتتح فصلًا أسميه السلام والحرية لأعلم الطلاب المواد الأساسية".

منذ أربعة شهور وأنا أعمل ضمن مبادرتي، واجهت في البداية رهبة التعامل مع صغار تعرضوا للفقد والحرمان، أطفال كبروا تحت نيران المدافع والطائرات، فكانت مهمتي صعبة للغاية، إذ كان مطلوب مني قبل تعليمهم المواد الدارسية، إعادة الثقة في نفوسهم، ورسم البسمة على وجوههم، وأعتبر نفسي بعد 4 شهور من العمل الدؤوب قد نجحت في ذلك".

نزحت دعاء من منزلها في حي الشجاعية في أكتوبر المنصرم إلى النصيرات وتنقلت ثلاث مرات مجبرة حتى استقر بها المطاف في مخيم للإيواء في دير البلح، فقررت أن تعود لحقل التدريس وافتتحت فصل الحرية والسلام فلاقى إعجاب الأهالي النازحين، تضيف: "منذ أربعة شهور وأنا أعمل ضمن مبادرتي، واجهت في البداية رهبة التعامل مع صغار تعرضوا للفقد والحرمان، أطفال كبروا تحت نيران المدافع والطائرات، فكانت مهمتي صعبة للغاية، إذ كان مطلوب مني قبل تعليمهم المواد الدارسية، إعادة الثقة في نفوسهم، ورسم البسمة على وجوههم، وأعتبر نفسي بعد 4 شهور من العمل الدؤوب قد نجحت في ذلك".

الصف الذي تحّول إلى مدرسة

معلمة اللغة الإنجليزية دعاء قديح.jpg
صورة تجمع معلمة اللغة الإنجليزية دعاء قديح مع طلابها في أحد مخيمات النزوح في قطاع غزة 

لم يكن عمل دعاء يسيرًا أبدًا فهي تتعامل مع أطفال منهم من فقد كل عائلته أو على الأقل فردًا من العائلة، والكثيرون منهم فقدوا زملاء المدرسة أو معلمها، لذلك دعمتهم نفسيًا أولًا ولم تمارس عليهم دور المعلمة بالمطلق بل كانت صديقة لهم، ولم يكن القدوم للصف سوى نزهة لهم يمارسون فيه التعليم عبر اللعب.

تعلم دعاء جيدًا أنه يمكن أن لا يكبر الطفل وتنال منه غارة إسرائيلية غادرة تودي به وبأحلامه نحو الهاوية، ربما ينجو منها مصابًا بندوب جسدية ونفسية وربما لا ينجو، لكنها تبث في قلوبهم الأمل بأنهم سيكونوا يومًا ما يريدون

تكمل: "توافد الأطفال في المخيم نحو الفصل وازداد عدد الصغار إلى ما يزيد عن 550 طالبًا، فحولت الفصل إلى مدرسة السلام والحرية، وجلبت فريق عمل يساعدني في المهمة، ولم أتوقف عن العمل في الفصل، أثناء تجهيز المدرسة التي استغرق العمل فيها أسبوعين، لتسوعب أكبر قدر ممكن من الطلاب".

لم تر دعاء أن مشروعها مجرد مبادرة ستنتهي يومًا ما، بل فكرة والفكرة لا تموت بل تنمو وتبزغ بمرور الوقت، إذ ستبقى واهبة نفسها وعلمها لأجل الأطفال الذين عانوا ويلات التشرد والحرمان.

تقديم الدعم النفسي للأطفال وتعليمهم باللعب

دعاء قديح تساعد طالب غزة في تعليم المواد الأساسية من خلال مدرسة السلام والأمل.jpg

ما هو الأسلوب الذي تتبعينه في التعليم؟ تجيب دعاء: "أرى أن التعلم باللعب هو أنجع الوسائل لتثبيت المعلومة في ذهن الطفل، فتنفيذ نشاطات ومسابقات تشجع الطفل على التركيز والتفكير، كما أن احترام الطالب وتقديره والثناء عليه يجعله أكثر حبًا للمعلم وللحصة الدراسية".

"شو بدكم تصيروا لما تكبروا".. تعلم دعاء جيدًا أنه يمكن أن لا يكبر الطفل وتنال منه غارة إسرائيلية غادرة تودي به وبأحلامه نحو الهاوية، ربما ينجو منها مصابًا بندوب جسدية ونفسية وربما لا ينجو، لكنها تبث في قلوبهم الأمل بأنهم سيكونوا يومًا ما يريدون، فتبتسم حين تخبرها طفلة بأنها تود أن تكون طبيبة والآخر يحلم بأن يكون مهندسًا أو صحفيًا، ولكل طفل من طلابها حلم كبير يود أن يحققه يومًا ما حين تقف نار الحرب.