بنفسج

بالصور: مقدسيات الصف الأول.. حكايات حب ورباط

السبت 08 أكتوبر

مع كل صباح، تودّع مريم أطفالها وأهلها، لتنطلق صوب بوابات المسجد الأقصى وساحاته، لتفي بنذر والدتها التي وهبتها مُحررة لله ولخدمة بيته والدفاع عن حرمته، بعد أن أعاذتها وذريتها من بطش بني صهيون وجبروته.

فمريم التي ولدتها أُمها في القدس، نمت وترعرعت في باحات المسجد الأقصى المبارك، فعرفت محاريبه وقبابه ومآذنه وزواياه، وطبعت جبينها بالسجود في ساحاته، ولأنها أغاظت عدوها بالرباط في جنباته والدفاع عن حرمته؛ ضُربت وسُجنت وهُدم بيتها وسجن وقتل زوجها وولدها، فصبرت وصابرت ورابطت.

من هنا بدأت "حكاية صورة"، فقد جسدت مريم المقدسية - "شخصية رمزية" مُستوحاة من قصة مريم العذراء عليها السلام، واقع المرأة المقدسية التي تعاني أشد أنواع البطش من قبل الاحتلال الصهيوني، وروت لـ "بنفسج"، ازدواجية المشاعر التي تعيشها كل يوم، بين آمال وآلام، ومنح ومحن، وسجن وحرية، وإبعاد ورباط.

وفي سبيل دعم صمود المرأة المقدسية انطلقت حملة "كلنا مريم" في الـ 28 من يناير الماضي بعدة لغات لتسليط الضوء على معاناة النساء المقدسيات، والمساهمة في دعمهن من خلال إحداث حالة من التفاعل العالمي، للإسهام في رفع الظلم الواقع عليهن.

وتتواصل الحملة حتى تاريخ الثامن من مارس/ آذار 2019 الذي يصادف يوم المرأة العالمي، ويشارك فيها مؤسسات من المجتمع المدني ومؤسسات سياسية رسمية وشخصيات سياسية، إضافة إلى مؤسسات عالمية، ويتخللها العديد من الفعاليات والأنشطة الرسمية والشعبية والإعلامية في عدد من الدول.

 | إبعاد ورباط

هنادي حلواني.jpg
هنادي حلواني المرابطة المقدسية التي لا يكل الاحتلال من إصدار قرارات الإبعاد بشأنها 

هنادي حلواني (36 عامًا) (مريمية مقدسية) عشقت المسجد الأقصى ونذرت نفسها لخدمته وتدريس العلم للطلاب والسيدات في ساحاته، اغتاظ الاحتلال من نشاطها فقرر إبعادها عن المسجد، فرابطت على بوابته وأقامت الصلاة على عتباته، فاستشاط العدو غيظًا؛ فأصدر قرارًا ثانيًا بإبعادها عن بواباته والأروقة المؤدية إليه.

لم يكتف ِالاحتلال بذلك، فقد أصدر قرارًا ثالثًا بإبعادها عن البلدة القديمة والأروقة والطرق المؤدية للأقصى، فأخذت ترقب المسجد -كما تظهر في الصورة- من بعيد من ثنايا جدار مرتفع يطل على ساحاته ومآذنه لتروي عطشها وشوقها إليه.

تقول حلواني لـ "بنفسج" منذ عام 2012م وحتى هذا اليوم تسلمت عددًا كبيرًا من قرارات الإبعاد عن المسجد الأقصى، ثلاثة قرارات منها كانت في شهر رمضان المبارك وحده، شملت إبعادي عن المسجد ومحيطه والبلدة القديمة.

وتضيف حلواني، ما إن ينتهي قرار إبعادي عن المسجد الأقصى، حتى يُعقبه الاحتلال بعد عدة ساعات أو بضعة أيام أحيانًا بقرار جديد.

وتتابع حلواني بنبرة تحدٍ: ظن الاحتلال واهمًا أننا بهذه القرارات سنجلس في بيوتنا ونترك الأقصى وحيدًا، مردفةً: سأبقى أنا وأخواتي المبعدات مرابطات على بوابات الأقصى وعتباته صيفًا وشتاء، وفي كل الظروف، ولن نتراجع ولن نستسلم؛ فنحن أصحاب الحق والأرض.

وتصف حلواني قرارات الاحتلال بإبعادها عن الأقصى بالظالمة، والتي تنتهك أدنى حقوق الإنسان التي كفلتها القوانين الدولية وهو الحق في العبادة، موجهة رسالة للعالمين العربي والإسلامي تذكرهم بواجب النصرة والمساندة للمسجد الأقصى ومدينة القدس.

| صمود وثبات

 
نهلة صيام 30 عامًا (مريمية مقدسية) تقطن في بلدة سلوان، نشأت في عائلة مقدسية ربتها على حب القدس مع حليب الصباح. تتعرض باستمرار للمضايقات من جنود الاحتلال، فمرة يتم توقيفها ومداهمة منزلها، ومرة تبعد عن الأقصى. ضم الاحتلال اسمها على "القائمة السوداء" التي تضم أسماء من يتم منعهن من دخول الأقصى.

نهلة صيام 30 عامًا (مريمية مقدسية) أخرى تقطن في بلدة سلوان، نشأت في عائلة مقدسية ربتها على حب القدس مع حليب الصباح، ولأنها سليلة بيت آل عمران ونذر امرأته فقد أوفت بنذر والدتها، فتخطت الحواجز وداست على الخوف وفي باحات الأقصى رابطت، وعن حرمته دافعت.

كتاب تفسير القرآن الكريم وأحكام تجويده وما تيسر من لقيمات وقارورة ماء هي زاد نهلة في رحلة رباطها اليومية كل صباح إلى باحات الأقصى، وهناك تحت ظل شجرة زيتون معمرة تلتقي نهلة برفيقاتها في مصاطب العلم التي حظرها الاحتلال لاحقًا.

أغاظت نهلة بصمودها وثباتها جنود الشر، فاستدعوها للتحقيق لعدة ساعات كما تروي لـ " بنفسج"، ثم تسلمت قرارًا بالإبعاد عن الأقصى لمدة 42 يومًا، وما أن انقضت المدة حتى تلقت تهديدًا عبر الهاتف يحذرها من التواجد بالأقصى، إلا أنها لم تستجب؛ وفي إثر ذلك تمت مداهمة منزلها في الثانية فجرًا وعاثوا فيه خرابًا، كان ذلك في عام 2014.

لم تتوقف معاناة نهلة عند مداهمة بيتها، فواصل الجنود التربص بها، فقد تم توقيفها عند بوابات الأقصى مرتين عام 2015م قبل أن يعتقلها الجنود في العام ذاته، ويصدر بحقها قرارًا جديدًا بالإبعاد عن الأقصى لمدة 90 يومًا، وضم اسمها إلى ما يطلق عليها الاحتلال "القائمة السوداء" التي تضم أسماء من يتم منعهن من دخول الأقصى.

لم تستسلم نهلة ولم ترفع الراية البيضاء؛ فرابطت على بوابات الأقصى وسجدت على عتباتها، فعاد جنود الاحتلال عام 2016 ليداهموا بيتها من جديد وعاثوا فيه خرابًا، ثم اقتادوها بالقوة وزجوا بها في سجن هشارون بتهمة التحريض على العنف قبل أن يتم تحويلها إلى الحبس المنزلي، والإبعاد عن الأقصى مجددًا لمدة 15 يومًا مع دفع كفالة مالية.

ومنذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا، ما زالت نهلة ضمن قائمة الممنوعين من دخول المسجد الأقصى في الأوقات التي يتعرض فيها المسجد وباحاته لاقتحامات المغتصبين الصهاينة.

| أفراح في الأقصى

بيان الجعبة.jpg
البداية في باحات الأقصى، إذ يفضل كثير من الشباب والشابات بداية حياتهم الزوجية من ساحات الأقصى

بيان الجعبة (25 عامًا) (مريمية مقدسية) ثالثة، حظيت بالعيش في بيت تبعد عتبات مدخله عدة أمتار عن بوابات الأقصى، فلم يكن الأقصى بالنسبة لها مجرد مسجد، بل كان هو المنزل والمدرسة وساحة اللعب المفضلة، فحفظت زواياه وحجارته عن ظهر قلب، وفي الوقت ذاته عرفت أعداءه الذين يتربصون به ويدنسون ساحاته.

كبرت بيان على حب الأقصى وصارت عروسًا، وكان القرار الأول لها وخطيبها أن تبدأ حياتهما الجديدة وعقد قرانهما من "بوابة السماء" المسجد الأقصى المبارك، وعن تلك المشاعر تقول بيان لـ "بنفسج" كان من أجمل القرارات التي اتخذناها أن بدأنا حياتنا محفوفة ببركات الأقصى؛ لأن بركاته ستبقى تحيط بنا أينما كنا.

وتضيف بيان: لقد اخترنا عقد قراننا في الأقصى بنية الرباط والدفاع عنه ضد كل محاولات الاحتلال الهادفة للسيطرة عليه وتقسيمه، فالأقصى بالنسبة لنا عقيدة ودين وقضية نعيش من أجلها، ونحن مستعدون أن نفديه بأغلى ما نملك.

وبعد عدة أشهر من زفاف بيان رزقت طفلة جميلة، وكان القرار مجددًا أن تبدأ حياتها بزيارة المسجد الأقصى قبل أن تزور بيتها، تقول بيان "سنربي أطفالنا على ما تربينا عليه، لذلك طلبت أن تزور ابنتي الأقصى في أول يوم من ميلادها لتحفها بركة المكان وطهره". 

وتختم بيان التي اعتدى عليها جنود الاحتلال أثناء تغطيتها الصحفية في القدس: سنبقى متجذرين في القدس والأقصى، حياتنا هنا، ومماتنا هنا، وليرحل من هو غريب عن هذه الأرض.

| رباط وعلم

براءة غزاوي.jpg
براءة غزاوي [18] عاما لحظة اعتقالها من جنود الاحتلال

براءة غزاوي (18 عامًا) (فتاة مقدسية) رابعة، تشرفت بالرباط في ساحات الأقصى، وهي ذات اثني عشر ربيعًا، إذ بدأت بتلقي الدروس والعلوم في المراحل الابتدائية والثانوية تحت قبة مدرسة الأشرفية الواقعة في الجهة الغربية للمسجد، والتي وصفها المؤرخ العربي مجير الدين الحنبلي بالجوهرة الثالثة للمسجد الأقصى.

تعرفت براءة باكرًا على أعداء المسجد الأقصى، فقد نالت منها عصي جنود الاحتلال أثناء مرورها من بواباته في طريقها لمدرستها، فيما كان يحول الاحتلال بينها وبين مقعدها الدراسي في أحايين كثيرة بعدما يغلق الجنود البوابات في وجهها.

عام 2016 تعرضت براءة لأول عملية اعتقال -من أصل ثلاث عمليات أخرى- هي وابنة عمها إذ احتجزهما جنود الاحتلال على باب السلسلة، وتعرضن لتفتيش مهين وتحقيق طويل استمر لعدة ساعات قبل أن يتم الإفراج عنهن في مساء ذلك اليوم.

لم تتوقف معاناة براءة هنا، إذ صدر قرار بحقهما بالإبعاد عن مدرستهما والمسجد الأقصى مدة أسبوعين، ومنعهما من المرور من أي من أبواب الأقصى عدا باب السلسلة، كما حظر مكوثهما داخل الأقصى أكثر من ساعات الدوام الدراسي وإلا فسيتم تغريمهما ماليًا.

اشتد عود براءة وباتت مدركة لطبيعة الأخطار المحدقة بالأقصى، فبادرت هي وقريباتها وصديقاتها في الاستجابة لدعوات إحياء منطقة باب الرحمة، خاصة في ظل تركيز استهدافها من قبل الاحتلال والمغتصبين أثناء اقتحام الأقصى، وهناك كان الاعتقال الثاني والثالث لبراءة؛ واللذين تبعهما تحقيق قاس ومهين.

الاحتلال كل يوم يضيق علينا في كل مجالات الحياة، واعتقل إخوتي وابن عمي وبنات عمي، وسجن عمي 6 سنوات بتهمة توزيع ألعاب على الأطفال في الأقصى، محاولًا أن يلهينا عن قضية القدس والأقصى، هذا يستحيل حدوثه حتى لو ضحينا بأرواحنا ودمائنا، نحن أصحاب الأرض وعلى الغرباء الرحيل، تختم براءة.