في فترة النزوح، مرّت ليلة من الليالي، وكان التعب مسيطرًا عليَّ تمامًا. وسط الضجيج والتوتر والقلق، قررت أن أصنع لنفسي مساحة هادئة، أحاول فيها أن أستدرك: ما الذي يحصل؟ وكيف حصل؟ ولماذا حصل؟ ولماذا أنا متعبة إلى هذه الدرجة؟ وكيف أتغلب على ذلك؟ فوجدت نفسي أكتب. نعم، أكتب.
فلجأت إلى الكتابة، وفي ذلك الوقت كانت هي ملجئي الوحيد. انطلق قلمي، وبدأت أكتب دون توقف، وأخرجت كل مشاعري، وكنت أكتب والدمع لا يفارق عيني. وكأنني أتحدث مع قلبي مباشرة، وكأن الورق يجيبني عن أسئلتي التي لم أعرف كيف أجيب عنها وحدي.
وعندما انتهيت، ونظرت إلى الورقة بتعجب، تساءلت: كيف خرج كل هذا مني؟ وكيف كان قلبي متحملًا كل هذه الكمية من الوجع والألم؟ شعرت أنني لو لم أكتب في تلك الليلة، لبقي كل ذلك عالقًا في داخلي. كانت الكتابة ترتب أفكاري، وتنظم شيئًا من فوضاي، وتهوّن عليَّ كثيرًا. لم تكن بالنسبة إليَّ مجرد كلمات أضعها على ورق، بل كانت مساحة أستطيع فيها أن أكون كما أنا، دون أن أضطر إلى ترتيب مشاعري قبل أن أقولها.
لكن العجيب أنني قبلها بأيام كنت أتحدث مع والدتي. ومن كثرة الأسئلة التي سألتني إياها، قالت لي: ما بك؟ ولماذا أنتِ مرهقة إلى هذا الحد؟ كانت تعرف الإجابات قبل أن أنطق بها، وتعلم أبواب قلبي حتى وإن لم أفتحها أمامها، وتقرأ عينيَّ قبل أن تدمعا. ومع ذلك كانت تسألني، لا لأنها لا تعرف، بل لأنها كانت تريدني أن أُخرج ما في قلبي، وألا أمرض من الكتمان.
قررت أن أجيبها حتى ترتاح هي وأرتاح أنا، لكن عندما فتحت قلبي وبدأت بالحديث، شعرت وكأنني مشتتة، لا أعرف كيف أبدأ، ولا من أين أبدأ، ولا عن أي شعور أتحدث. كان القلب مثقلًا بالهموم، مضغوطًا، وبينَه وبين الانفجار شعرة واحدة فقط. كنت أتحدث وكأنني غير مدركة لما أقوله، وتتداخل المواضيع ببعضها، وأنتقل من موقف إلى آخر، ومن شعور إلى شعور، ومع ذلك استمريت في الحديث حتى أخرجت ما استطعت إخراجه.
اقرأ أيضًا: حين تكون الخسارة مكسبًا... تفاصيل مغيبة
وبعد وقت طويل، تعبت من الحديث، فصمتُّ فجأة. ظننت أنني انتهيت. لكن شعورًا غريبًا جاءني في تلك اللحظة؛ شعور يخبرني أنني تحدثت كثيرًا، ومع ذلك فإن كل ما تحدثت عنه لم يكن إلا جزءًا بسيطًا مما في قلبي. كان ما قلته نقطة في بحر. صمتُّ، لكن قلبي ظل متعبًا، وظلت أفكاري مشتتة، وشعرت أنني تحدثت وكأنني لم أتحدث بعد.
وهنا فهمت شيئًا لم أكن أعرفه من قبل: أحيانًا لا يكون الإنسان عاجزًا عن الكلام لأنه لا يملك ما يقوله، بل لأن ما بداخله أكبر من أن يحمله الكلام دفعة واحدة. لذلك بدأت أبحث عن وسيلة أخرى أُخرج بها ما تبقى في داخلي. مهما تحدثت، كان هناك شيء عالق، شيء ناقص لم أستطع وصفه، وكأن هناك مشاعر تعرف طريقها إلى قلبي، لكنها لا تعرف طريقها إلى لساني.
وأخيرًا، أحضرت ورقة وقلمًا. وأخرجت كل ما لدي. كنت أكتب وأنا متعجبة: كيف استطعت أن أُخرج على الورق ما عجزت عن قوله بالكلام؟ وكنت فرحة جدًا لأنني استطعت أن أُخرج ذلك الشيء الغامض الذي عجزت عن إخراجه. لم أكن وقتها أفكر في أنني أكتب نصًا أدبيًا، ولا كنت أفكر في أن أحدًا سيقرأ ما أكتبه. كنت فقط أريد أن أقول ما في داخلي، حتى لو لم أستطع قوله لأحد.
ومن هنا اكتشفت موهبتي: الكتابة. اكتشفت أن شيئًا كنت أفعله لأرتاح، يمكن أن يكون موهبة وهبني الله إياها، ويمكن أن يكون أيضًا وسيلة أحمل بها شيئًا أكبر مني؛ صوتي، وصوت من حولي، وصوت غزة التي لا أريد أن تُختصر حكايتها في صور الركام والأخبار.
ومع الوقت، استطعت أن أكتب عن كل ما مررت به، وعن اللحظات الصعبة التي رأيتها منذ بداية الحرب حتى هذه اللحظة. كتبت عن أشياء ربما لم أكن أعرف كيف أتحدث عنها، لكنني استطعت أن أضعها أمامي على الورق. وعندما وجدت أن هذه الطريقة هي الأنسب لي، أصبحت كلما ضاق صدري أتجه إليها.
ومن هنا اكتشفت موهبتي: الكتابة. اكتشفت أن شيئًا كنت أفعله لأرتاح، يمكن أن يكون موهبة وهبني الله إياها، ويمكن أن يكون أيضًا وسيلة أحمل بها شيئًا أكبر مني؛ صوتي، وصوت من حولي، وصوت غزة التي لا أريد أن تُختصر حكايتها في صور الركام والأخبار.
فحمدًا لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه على أن وهبني هذه الموهبة، ومنحني القدرة على الكتابة لأوصل صوتي وصوت أهل غزة إلى العالم. لأننا نستحق أن نعيش، ونستحق أن نمارس الحياة كما يليق بها أن تُمارس. ونحن كأهل غزة نملك الكثير من الإبداع والتميز، وبجهدنا وصبرنا واستمرارنا في مواصلة الحياة، نستحق أن يُتحدث عنا، لا بوصفنا أصحاب وجع فقط، بل أصحاب أحلام وموهبة وإبداع أيضًا.
اقرأ أيضًا: "أساطير" رأيناها واقعًا في غزة عن أحقر احتلال عرفه التاريخ
ولو انتبه العالم إلى غزة كما ينبغي، لربما درّسوها في مناهج العالم، ولمنحونا فرصة في الحياة تليق بكل ما نحمله من أحلام. فغزة ليست مكانًا يُذكر فقط حين يُذكر الألم، بل مكان فيه أطفال يحلمون، وشباب يكتبون، وطلاب يتعلمون، وأناس يريدون أن يعيشوا حياة عادية، وأن يصنعوا شيئًا جميلًا رغم كل ما مرّ بهم.
وإن لم يستطيعوا أن يروا ذلك، فنحن نستطيع أن نظهر، وأن نخرج من بين الركام إلى العالم. نستطيع أن نحكي، وأن نكتب، وأن نُريهم أن خلف كل ما يرونه في الأخبار إنسانًا له قصة، وحلم، وصوت، وحياة تستحق أن تُروى. ومن هنا أصبحت الكتابة بالنسبة إليَّ أكثر من موهبة.
أصبحت مسؤولية أيضًا. فالكلمة التي أكتبها عن نفسي قد يجد فيها شخص آخر شيئًا يشبهه، والكلمة التي أكتبها عن غزة قد تصل إلى إنسان لم يعرف عنها إلا ما رأته عيناه في الأخبار. لذلك، لا تستهينوا بالكتابة. اكتبوا، وتميزوا، وتحدثوا، وتجرؤوا على أن تقولوا ما في داخلكم. لا تنتظروا أن تصبحوا كتّابًا حتى تكتبوا، فقد تكون الكتابة نفسها هي التي تكتشفون من خلالها أنكم كتّاب.
وربما يكون القلم الذي أمسكتموه لتُخرجوا وجعًا ما، هو نفسه القلم الذي يحمل صوتكم إلى العالم. واعلموا دائمًا أن الأمر في البداية، ومع الاستمرار، لا يصبح أسهل بالضرورة؛ بل أنتم تصبحون أقوى. آمنوا بأنفسكم. فبداية الحلم أن تؤمنوا بأنفسكم. وكونوا على يقين أنكم قادرون.

