في الرابعة والستين، وجدت سلوى إبراهيم غوادرة نفسها خلف قضبان سجن الدامون، بعدما انتُزعت من حياتها في 27 حزيران/يونيو 2026، إثر اعتقالها على أحد الحواجز العسكرية في جنين، على خلفية مرورها بجانب منطقة محظورة تابعة لجيش الاحتلال. لم تدخل سلوى السجن بجسدٍ سليم أو ذاكرةٍ مستقرة.
كانت تحمل معها ملفًا طبيًا يوثق معاناتها من أمراض نفسية، وكانت تتلقى العلاج قبل اعتقالها، قبل أن تجد نفسها في بيئة مغلقة تُثقل حالتها الصحية والنفسية بدل أن تتيح لها الاستقرار والرعاية. وخلفها تركت ثلاثة عشر ابنًا وابنة، ستة أولاد وسبع بنات، لتبدأ العائلة منذ ذلك اليوم حياةً معلقة على خبرٍ يأتي من خلف القضبان.
سيدة ستينية خلف القضبان

تحتاج الأمراض النفسية إلى انتظام في العلاج ومتابعة مستمرة، ولا سيما لدى كبار السن، إذ يمكن لأي اضطراب في البيئة العلاجية أو انقطاع عن الأدوية والمتابعة أن ينعكس على الاستقرار النفسي والحالة العامة للمريض.
وسلوى، التي كانت تتلقى علاجًا قبل اعتقالها، باتت اليوم في واقع مختلف تمامًا: عزلة عن الأسرة، بيئة احتجاز مغلقة، وضغوط يومية تتقاطع مع وضع صحي يحتاج في الأصل إلى رعاية منتظمة. وهنا لا يعود الاعتقال مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل يصبح انقطاعًا عن منظومة كاملة كانت تساعدها على الحفاظ على استقرار حالتها.
جسدٌ ضائع يواجه عدوى السكابيوس

لم تتوقف معاناة سلوى عند تبعات الاعتقال، ففي سجن الدامون، تعاني أيضًا من الإصابة بالسكابيوس، وهو مرض جلدي معدٍ يسبب حكة شديدة وطفحًا والتهابات، ويحتاج التعامل معه إلى علاج دوائي، وعناية بالنظافة، وتبديل الملابس والأغطية، ومتابعة طبية تحدّ من انتشار العدوى.
وتكتسب الإصابة وطأة أكبر حين تصيب امرأة في الرابعة والستين، تحمل أصلًا أعباءً صحية ونفسية، وتعيش في بيئة احتجاز لا تشبه الظروف التي يحتاجها الجسد المريض كي يستعيد عافيته. فالمرض هنا لا يأتي منفردًا؛ يضاف إلى جسدٍ أنهكه العمر، وإلى حالة نفسية مضطربة، وإلى حياةٍ اقتُطعت فجأة من محيطها الأسري والطبي.
حين تتراجع الذاكرة.. ويتقدم النسيان

الأشد صعوبةً في حالة سلوى أن معاناتها لا تقف عند حدود المرض النفسي أو الجسدي، فهي تعاني كذلك من اضطرابات في الذاكرة، مع بداية لمرض الزهايمر. وبحسب ما نقلته الأسيرات عنها، بلغ اضطراب الذاكرة حدًّا نسيت معه في بعض الأحيان اسمها وعمرها.
داخل السجن، حيث تتشابه الأيام وتضيق المساحات وتتراجع صلات الإنسان بعالمه الخارجي، يصبح اضطراب الذاكرة عبئًا مضاعفًا. فامرأة تكافح أصلًا للحفاظ على تفاصيلها الشخصية، تجد نفسها في مكان ينتزع منها كثيرًا من التفاصيل التي تمنح الحياة انتظامها: الأسرة، البيت، الوجوه المألوفة، والروتين الذي اعتادته.
اقرأ أيضًا: ثقب في عين السجان: انفلات الجسد وهزيمة المنظومة العقابية
وهكذا، لا تواجه سلوى قسوة الأسر بذاكرةٍ ثابتة، بل بذاكرة تتراجع تدريجيًا، فيما يحيط بها واقع لا يمنحها ما يكفي من الأمان والاستقرار. في الخارج، تركت سلوى وراءها عائلة كبيرة: ستة أولاد وسبع بنات. ثلاثة عشر ابنًا وابنة غابت عنهم أمهم دفعة واحدة، وبقيت مكانها مساحة لا يملؤها اتصال عابر أو خبر مقتضب.
في البيوت، لا يغيب المعتقل وحده.. تغيب معه تفاصيله اليومية، صوته، حضوره، ومكانه في ذاكرة الأسرة. وبالنسبة إلى أبناء سلوى، إذ تواصلنا معهم في بنفسج.. لا يقتصر الانتظار على معرفة موعد الإفراج عنها! إنه انتظارٌ متواصل على صحتها، وعلى قدرتها على تلقي علاجها، وعلى خبر يطمئنهم إلى امرأة يعرفون أنها دخلت السجن وهي تحمل أصلًا أعباء صحية ونفسية.
أم لـ 13 ابنًا

لا تأتي حالة سلوى بمعزل عن واقع الأسيرات في سجن الدامون، فبين جدرانه توجد أسيرات مريضات، وقاضرات، وحوامل، ومسّنات يحاتاجن إلى رعاية تتناسب مع أوضاعهن الصحية. وفي مثل هذه البيئة، لا تُقاس وطأة الأسر بعدد الأيام وحده. فالمرض يجعل كل يوم أكثر ثقلًا، ويحوّل احتياجات تبدو عادية خارج السجن "كالدواء، والنظافة، والراحة، والمتابعة الطبية " إلى مسائل مصيرية داخل الأسر.
وحين يجتمع التقدم في العمر مع اضطرابات الذاكرة، والحالة النفسية، والمرض الجلدي، فإن الحاجة إلى الرعاية لا تصبح تفصيلًا ثانويًا، بل شرطًا أساسيًا لصون حياة الأسيرة وكرامتها.
بين جدران الدامون تمضي سلوى أيامها وهي تواجه مرضًا ينهش جسدها، وذاكرةً تتراجع، وعزلةً تفصلها عن أبنائها الثلاثة عشر. وفي الخارج، تبقى عائلتها في الجهة الأخرى من الانتظار. امرأة في الرابعة والستين، كان يفترض أن يكون ما تبقى من عمرها أكثر سكينة، وجدت نفسها في الأسر وهي تحمل تاريخًا من العلاج وحالة صحية تحتاج إلى المتابعة.
سلوى غوادرة ليست اسمًا عابرًا في قائمة الأسيرات، خلف الاسم امرأة لها عمرٌ طويل، وبيتٌ كبير، وذاكرة تخفت تفاصيلها يومًا بعد آخر. وفي حالتها، يصبح أبسط ما يُنتظر ليس امتيازًا ولا مطلبًا استثنائيًا: رعاية طبية تليق بامرأة مريضة، واستمرار علاجها، وصون صحتها وكرامتها.

