في كل مرة كانت تظن أن الحزن بلغ أقصى ما يستطيع، كانت الحرب تفاجئها بفقد جديد. في أول شهر من الحرب، فقدت 23 شخصًا من عائلتها، ثم استشهد ابنها، وظل جثمانه مفقودًا لأيام، حتى رآه والده، لكنه لم يستطع انتشاله إثر تمركز الدبابات أمامه، فنهشته الكلاب. ثم استشهد زوجها، لتعيش حزنًا جديدًا لا يطيب، وقبل أن تتمكن من لملمة جراحها، فقدت ابنها الثاني، لتصبح الأم التي ودّعت عائلتها فردًا فردًا.
ولم تتوقف المأساة عند هذا الحد؛ أُصيبت ابنتها، وأُصيبت هي أيضًا، وكأن الموت لم يكتفِ بأن يأخذ منها أحبتها، بل ترك على جسدها وذاكرتها أثرًا لا يزول. لم تكن تعرف أن الفقد يمكن أن يأتي على دفعات، وأن القلب قد يُجبر على توديع أحبته واحدًا تلو الآخر، ثم يُطلب منه أن يبقى حيًا.
سيدة لم تخسر أشخاصًا فقط، بل خسرت عالمًا كاملًا، بيتًا كان يضج بأصوات أحبّتها، ووجوهًا كانت تمنح أيامها معناها. ومع ذلك، بقيت تحمل أسماءهم في قلبها، وندوبهم على جسدها، وتحاول أن تعيش بما تبقى منها، لا لأجلها، بل لأجل أولادها المتبقين لها.
هنا تروي إسراء الحلبي، زوجة الشهيد هاني ريان، وأم الشهيدين أحمد وعبد الله، كيف دق الفقد بابها ولم يتوقف عن أخذ الأحبة، طوال ثلاثة أعوام وهي تقيم مأتمًا في القلب لا يتوقف، وعن ذكرياتهم الباقية التي لا تزول، وعن المسؤولية التي حملتها وحدها وأنهكتها وإصاباتها.
فقد بالتدريج

في 25 أكتوبر 2023، فقدت إسراء عائلتها بأكملها في لحظة واحدة. استشهد والديها، وشقيقها وزوجته وبناته الثلاث، وشقيقتها وزوجها وأبناؤها الأربعة، وعمها وأبناؤه الأربعة. كانوا 23 شهيدًا دُفنوا تحت أنقاض المنزل، فيما أُصيب 11 آخرون. كانوا جميعًا نيامًا حين قُصف المنزل.
استيقظت إسراء يومها مذعورة من نومها، بعدما رأت في المنام رؤيا شعرت أنها تنذر بما حدث. ومنذ ذلك اليوم، أصبحت كلما استشهد أحد من أهلها تراه في المنام قبل استشهاده، ثم تدرك لاحقًا، بعد وقوع الحدث، أن ما رأته كان إشارة إلى وفاته.
تقول بمرارة: “كان وقع الخبر قاسيًا عليّ، كلهم استشهدوا معًا، حتى حزني لم يُسمح لي به. وبعد قرابة الشهر، وأنا منهكة من الألم والحزن، أُصيبت ابنتي لأفقدها لساعات تحت الأنقاض. كنت أرسلتها لترى بئر الماء في المنطقة، وفجأة دوى الانفجار باستهداف بيت جيراننا، لتُفقد ابنتي ويختفي أثرها”.
اقرأ أيضًا: خالد أبو عودة: رجل الميدان الذي لقى ربه محاصرًا جائعًا
بعد سبع ساعات من الانتظار والبحث عنها، لم يجدوها، وفي التاسعة ليلًا، جاء عابر طريق ليسمع صوت أنين تحت الركام، ليخبر والدها، الذي عاد إلى المكان وبدأ يحفر عليها حتى لمح حذاءها وجزءًا من رجلها.
تضيف: “ركض إليّ ابني يسألني عن لون البنطلون الذي ترتديه أخته بالضبط، أجبته، لينتشلوها وتنقل إلى المشفى في حالة يُرثى لها؛ نزيف في الدماغ وكدمات في كل مكان. وحينما استيقظت، كانت فاقدة للذاكرة، لا تعرف اسمها ولا من أنا”.
تكمل: “بقيت في مشفى كمال عدوان مدة شهر ونصف، أعالج ابنتي وأخذت أطفالي الصغار معي. تم حصارنا في داخلها واستهداف المبنى الذي كنا فيه، وتفجير خزانات الماء وقطع الماء والكهرباء عنا. كان وقتها زوجي هو وأولادي الكبار نازحين في مدرسة قريبة من منزلنا، ليُقصف المنزل لاحقًا”.
ابن نهشته الكلاب

في 14 أكتوبر 2024، استشهد طفلها أحمد بعدما ذهب إلى معسكر جباليا ليجلب الطعام لعائلته، إذ كانت والدته قد منعته من الخروج، لكنه غادر على سهوة. قبلها بليلة، كان والدها الشهيد قد زارها في الحلم، فوضعت يدها على قلبها من أن تفكر في تفسير الرؤية.
تقول: “كنا معًا، وطلب مني أن يذهب لجلب الطعام من مكان لتوزيع المساعدات، رفضت، لكنه غادر رغمًا عني. مرت ساعات ولم يعد، وصار والده يبحث بين الشهداء عنه بالمستشفى. ليلًا أغمضت عيني، وإذا أراه في منامي يضحك ويقول: «يما، أنا في المعسكر». في اليوم الثالث، جازف زوجي بحياته لأجل البحث عنه، ليرى قدم طفل”.
لم يتمكن والده من انتشاله لخطورة الوضع هناك وتقدم الدبابات الإسرائيلية، فطلب من الدفاع المدني مساعدته في انتشال الطفل البالغ من العمر 12 عامًا، لكن رجل الدفاع المدني لم يتمكن من انتشاله بسبب إطلاق النيران عليه من طائرة “كواد كابتر”.
في اليوم الثالث من المحاولات، فشلوا أيضًا، ليجدوا الجيش يضع “ريبورت” لتفجيره في المكان، وكان الصغير قد أكلت جسده الكلاب، ليفجروا المكان لاحقًا وتختفي الجثة.
أب مكلوم ينال الشهادة

في نهاية الشهر، وتحديدًا في 23 أكتوبر، وبينما إسراء لا تقوى على مواصلة الحياة من حزنها، أُصيبت بشظية في يدها ليتفتت العظم. وأخبرها الأطباء في شمال غزة أن عليها المغادرة إلى الجنوب وتركيب بلاتين لليد، وإلا سوف تتعرض للبتر، لتغادر مرغمة عبر الحاجز الإسرائيلي، رفقة أولادها، تاركة زوجها في الشمال، ولم تعلم أنه الوداع الأخير.
تقول: “على الحاجز الإسرائيلي اعتقلوا ابني، فاعترضت وأخبرتهم أنني مصابة وأحتاجه معي، لكنهم رفعوا السلاح بوجهنا، فغادرت وأنا أنزف حتى أُغمي عليّ في الطريق، لتنتشلني سيارة إسعاف ويتم تحديد عملية جراحية عاجلة في اليوم التالي”. عاشت إسراء ما بين ألم الفقد والإصابة وفراق زوجها، ليأتيها خبر استشهاده في 10 ديسمبر 2024.
اقرأ أيضًا: وفاء عياش: حين أصابتني الحرب في العزيز
تضيف: “انهرت وقتها جدًا، لم أكن أحتمل أي ألم آخر، مع أنني كنت قد رأيت رؤية في المنام تفيد باستشهاده وأخبرته بذلك، وصدقني وصار أكثر قربًا لله ينتظر الشهادة، لكني لم أصدق الخبر عندما وصلني. كان قد وعدني أن نكمل الطريق معًا”.
وعن كيفية وصول خبر استشهاد زوجها لها، تردف: “كنت قد رأيت رؤية في المنام سيئة فاستيقظت، وإذا به يرن هاتفي بصوت رجل يقول: أعطيني رجلًا لنحكي معه. أخبرته أن يقول لي ما الذي جرى، وإذا به يقول: «زوجك استشهد مع عيلة الكحلوت، مع 27 شهيدًا». أتى في بالي صوته وهو يقول: ابني أحمد هو من سيدخلنا الجنة. كان صابرًا محتسبًا عند استشهاد ابنه، وبعد شهرين ذهب عنده”.
الابن الثاني شهيدًا

توالت على قلب إسراء الخسارات حتى أثقلته بما يفوق احتماله. كانت منهكة، تحاول أن تستوعب كيف تغيّرت حياتها في وقت قصير، وكيف أصبح عليها أن تحمل وحدها كل هذا الوجع وكل هذه المسؤولية. كانت تمضي يومًا وراء يوم، لا لأنها تجاوزت ما حدث، بل لأنها لم تكن تملك رفاهية التوقف، حتى جاءتها ضربة جديدة في ابنها عبد الله.
تقول بصوت متحشرج: “قبل استشهاد ابني الثاني، عبد الله، رأيت في المنام أن إصبعي مبتور، وكان زوجي قادمًا نحوي ممسكًا بورقة بيضاء، ويسجل فيها، وكان يرتدي زي الشرطة. فاستشهد أخوالي، فقلت إذن الرؤية عنهم، وبعد يومين استشهد ابني عبد الله”.
"أخبروني أنه كان يمشي أسرع منهم جميعًا. قبل خروجه قال لي: “لو ما رجعتش، اعرفي إني شهيد”. وبالفعل، بعد ساعات اتصلوا بي يخبرونني الخبر القاسي؛ لقد وقع حائط على ابني فقتله، وصرت أنا أم الشهيدين وزوجة الشهيد، وبنت الشهداء".
تضيف: “في ذلك اليوم، سمعت صوت زوجي، وعندما استيقظت قال لي: “السلام عليكم”. وكأنه يقول لي: “جاي آخذ الأمانة”. أتى عبد الله لي بعدها يخبرني أنه سيذهب لمعسكر جباليا ليجلب حطبًا لأطبخ لهم، فأوصيت ابن عمه عليه”.
تردف: “أخبروني أنه كان يمشي أسرع منهم جميعًا. قبل خروجه قال لي: “لو ما رجعتش، اعرفي إني شهيد”. وبالفعل، بعد ساعات اتصلوا بي يخبرونني الخبر القاسي؛ لقد وقع حائط على ابني فقتله، وصرت أنا أم الشهيدين وزوجة الشهيد، وبنت الشهداء”.

