في الحرب لا يُختصر الموت في لحظة سقوط الإنسان، بل تمتد المأساة إلى ما بعد الرصاصة، جسدٌ لا يجد قبرًا، وأبناء يُحرمون من وداع أبيهم، وعائلة لا تعرف أين تنتهي أجساد أحبائها وأين تبدأ ذاكرتهم، هكذا تقول نهاد أبو صلاح، التي فقدت زوجها وأفرادًا من عائلته في يوم واحد، ثم فقدت بعد ذلك حتى المكان الذي كان يمكن أن تقف فيه أمام قبره.
سبعة من عائلة واحدة

في 6 ديسمبر/كانون الأول 2023، استشهد أحمد سعدي أبو صلاح، 34 عامًا، مع والده ووالدته وإخوته الأربعة، وفق رواية زوجته نهاد، 36 عامًا. كانت العائلة قد نزحت منذ بداية الحرب إلى مدرسة بعد مغادرة منزلها لخطورة المنطقة حينذاك، وفي ذلك اليوم قُنص طفل من أبناء العائلة، فذهب أحمد وإخوته ووالده إلى المستشفى لتكفينه، ثم عادوا للصلاة عليه
ودفنه، لكنهم فوجِئوا بأن المدرسة التي كانت تقيم فيها العائلة محاصرة، فاتجهوا إلى المدرسة المجاورة، ولم تكن نهاد تعرف حينها أن الرجال لن يعودوا. تقول نهاد: "بقينا نحن النساء مع الأطفال داخل المدرسة المحاصرة نحو 24 ساعة، بينما كان القناص يطلق النار على كل من يحاول الحركة، وبعد ذلك طُلب من النازحين الخروج رافعين الرايات البيضاء، تمهيدًا لإخلاء المدرسة"، خرجت نهاد وهي تظن أن زوجها وأفراد عائلته ما زالوا في المدرسة المجاورة لكن لحظة خروجهم من المدرسة كشفت الحقيقة التي لم تكن نهاد تتوقعها؛ فعند البوابة وجدت زوجها أحمد وأباه وأمه وإخوته الأربعة ممددين أمامها قتلى.
اقرأ أيضًا: "جثامين مجهولة": رحلة البحث عن "DNA" يشبهنا
كان المشهد صادمًا للأطفال الأربعة، وأكبرهم كان في التاسعة من عمره ويعاني مرضًا في القلب، لم تكن نهاد تملك فرصة لتهيئتهم للخبر؛ فقد رأوا الجثامين أمامهم مباشرة. تقول نهاد: "كان والد أحمد ممسكًا بالراية البيضاء، فيما كانت والدته تحتضن ابنها الأصغر، ومع ذلك لم يتمكن أحد من الاقتراب منهم أو لمسهم".
"ما قدرنا نعمل أي شيء"، تقول نهاد، موضحة أن القناص كان يوجه سلاحه نحو الخارجين، وأن العائلة أُجبرت على مواصلة طريقها رغم رؤية أفرادها ممددين أمامها. بالنسبة إلى نهاد لم تكن صدمة اكتشاف مقتل زوجها هي وحدها ما بقي معها؛ بل عجزها عن توديعه، تقول: "أكتر إشي وجعني إني ما قدرت أنزل على الأرض وأودعه".
الجثامين بقيت في العراء

بعد خروج العائلة أُغلقت المنطقة وأصبحت منطقة عسكرية، بحسب نهاد، وبقيت جثامين أحمد وأفراد عائلته في المكان فترة طويلة، قبل أن يتمكن بعض السكان من الوصول إليها بعد نحو شهرين أو أكثر. تقول نهاد: "إن السكان غطوا الجثامين بالرمال في المكان الذي كانت فيه، من دون دفن رسمي أو إقامة قبور، وتضيف أن الجثامين تعرضت خلال بقائها في المنطقة لـ"النهش من الكلاب"، قبل أن تخضع المنطقة
لاحقًا لعملية تمشيط وتجريف، اختفت بعدها آثار الجثامين تمامًا. بعد ستة أو سبعة أشهر من الاستشهاد، تمكنت نهاد من الوصول إلى المنطقة بحثًا عن زوجها وعائلته، لكنها لم تجد شيئًا، تقول: "دورت عليهم، ما لقيت أي أثر"، لم يعد هناك قبر لأحمد، ولا مكان محدد تستطيع نهاد أن تدل أطفالها عليه عندما يسألون عن أبيهم.
اقرأ أيضًا: بين الركام: تفتت "لحم" طِفْلَيَّ وغابت أجسادهم
قبل الحرب كان أحمد -وفق زوجته- قريبًا جدًا من أطفاله، كان يلاعبهم ويتحدث معهم، وينام إلى جوارهم، ويحاول رغم ظروفه المادية الصعبة توفير احتياجاتهم. تقول نهاد إنه كان "حنونًا جدًا ومعطاءً"، وكان يشعر بالسعادة عندما يستطيع شراء شيء يحبه أطفاله أو توفير ما يحتاجونه، لأنه كان حريصًا على ألا يحتاجوا إلى أحد.
بعد استشهاده تغيّر الأطفال بصورة واضحة، خضعوا للعلاج النفسي، وما زالوا يتلقون جلساته، تقول نهاد: " أصبح أطفال أكثر عنفًا، ولم يعودوا قادرين على النوم بمفردهم، وظهرت لديهم حالات تبول لا إرادي ونوبات بكاء شديدة، لكن أكثر ما تكرره نهاد عنهم هو سؤالهم اليومي: "وين بابا؟"
أمٌّ بلا معيل وقبر بلا عنوان

لم تفقد نهاد زوجها فقط؛ فقدت معه المعيل الأساسي لأطفالها، أصبحت مسؤولة وحدها عن أربعة أبناء، من بينهم طفل يعاني مرضًا في القلب، في ظل غياب مصدر دخل ثابت. تقول: "إن الحاجة المادية أصبحت واحدة من أصعب تبعات الفقد، فأنا اليوم مطالبة بتأمين الطعام والماء وكل احتياجات أطفالي، إلى جانب رعايتهم ومحاولة التعامل مع آثار الصدمة التي خلفها مقتل والدهم.
ومع ذلك يبقى غياب القبر أكثر ما يؤلمها، تقول نهاد إنها كانت تتمنى أن يُدفن أحمد وعائلته بطريقة طبيعية، وأن يكون لهم مكان معروف يمكن للعائلة العودة إليه. وهي لا تزال تتمنى العثور على جثمانه، حتى لو لم يتبق منه سوى أثر، لتمنحه وأفراد عائلته دفنًا لائقًا، أما
لأطفالها، فتريد أن تبقى صورة والدهم مختلفة عن صورة رجل انتهى اسمه في سجل ضحايا الحرب. تريدهم أن يعرفوا -كما تقول- أنه كان "شهمًا وكريمًا وعطوفًا وحنونًا، وحريصًا رغم فقره على أن يعيش أولاده حياة كريمة" لكن حين يسأل الأطفال اليوم عن أبيهم، لا تستطيع نهاد أن تمنحهم أبسط ما يحتاجه الطفل حين يفقد أحد والديه: مكانًا يقولون فيه: هنا يرقد أبي.

