بحرقة تختلط فيها مشاعر الشوق والفرح، تمعّنت أمينة في تفاصيل صورة طفليها التوأم، مجاهد وقسّام، اللذين كبرا وبدآ عامهما الدراسي الأول، وقد ارتديا الزي المدرسي، في مشهدٍ كان يفترض أن تكون حاضرةً فيه. الصورة التقطها زوجها، السيد أديب غلبنان، وأرسلها إلى المحامي حسن عبادي، قبل موعد زيارته لزوجته الأسيرة، لتصلها صورة طفليها محمّلةً بتفاصيل غابت عنها قسرًا.
ولعلها من اللحظات الأكثر سعادة بالنسبة للأم، وهي تهندم أطفالها بدقة، وتلتقط لهم الصور التذكارية في أول يوم دراسي؛ لحظات حُرمت منها السيدة أمينة غلبان بسبب تعنت الاحتلال في مواصلة اعتقالها. وبحسب ما جاء على لسان المحامي عبادي، نقلًا عن أمينة: “بدّي دايمًا أخبارهم أوّل بأوّل، كنت أتمنى أكون معهم في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد، وآخذ بيدهم إلى المدرسة وأشعرهم كما شعروا أطفال العالم، ولكن سجن الظالم حرمني هذا”.
اعتقال جائر

رسائل شوق ومحبة بعثتها أمينة لعائلتها، قالت فيها: “سلامي إلى رفيق الدرب وكامل الأوصاف، ومن كان لي عونًا على مر الزمان، أبو فلذات كبدي. سلامي إلى نور عيوني، توأمي مجاهد وقسام، ضيّ العين ونظرها، وأزهرت حياتي بحضورهم ومنحوني كلمة ماما، وإلى روح الروح، وطن الغالية. أقول لك إن كل العالم لهم وطن وأنا لي وطنان. كوني بخير، وكم أشتاق لحضن أحتضنكم له. اعلموا أنني لن أنساكم، ولم تغيبوا عن خاطري ولو لحظة”.
رسالة كان لها أثر بالغ في نفوس عائلتها، التي عبّرت عن مدى اشتياقها وألمها لغياب روح البيت، الزوجة الوفية والأم الحانية “أمينة”، فلم تفارقهم في أحاديثهم اليومية ودعائهم المتواصل بفرج قريب يزيل الغمة ويجمع الشمل. أوضاع كارثية تعيشها الأسيرات في سجن الدامون، وسط إجراءات وتشديدات أمنية وتقليصات في الطعام والملابس وأدوات النظافة، ناهيك عن الإهمال الطبي المتعمد، علاوة على الرطوبة العالية في غرف السجن.
الأسيرة أمينة غلبنان، البالغة من العمر 32 عامًا، من مدينة قلقيلية شمال الضفة المحتلة، أبلغت المحامي عبادي عن الظروف السيئة التي تعانيها الأسيرات، بالقول: “كل الصبايا بتعاني من حساسية عالية وبدون علاج، حكاك مش طبيعي، حكاك جماعي ليل نهار، حكاك دموي، ما بنام من الحساسية، وأنا طلبت عيادة وما طلّعوني”.
كان نفسي أكون معكم

فيما وصفت ظروف الأسيرات الحوامل بالقاسية جدًا، فهن دون رعاية أو متابعة صحية ودون غذاء مناسب. تعيش الأسيرة أمينة ظروفًا صحية صعبة، إذ تعاني من نقص في الدم، ما يجعلها تشعر بالدوخة باستمرار، وحصوة، والدوالي، علاوة على مرض السكابيوس. وفي التاسع عشر من شهر يوليو، أصدرت محاكم الاحتلال حكمًا إداريًا لمدة أربعة أشهر بحق الأسيرة أمينة، وذلك للمرة الثانية على التوالي، علمًا بأنها معتقلة منذ الثامن عشر من مارس الماضي.
حالة من التشتت يقضيها مجاهد وقسام ووطن في ظل غياب والدتهم القسري، فيما لا يمر يوم إلا ويبكون فيه، ويواصلون بحثهم وسؤالهم عن أمهم المعتقلة، إذ كانوا يقضون معظم يومهم برفقة جدتهم لأمهم، قبل أن يصطحبهم والدهم فور عودته من العمل.
اقرأ أيضًا: الأسيرة منار إبراهيم: كيف تمر شهور الحمل في سجون الاحتلال؟
أطفالٌ يحتاجون إلى رعاية ومتابعة حثيثة، لا سيما أن أعمارهم لم تتجاوز ستة أعوام، ويحتاجون في هذه المرحلة من طفولتهم إلى حضن أمهم ووجودها إلى جانبهم، حيث الأمان والحنان الذي يفتقدونه منذ غيابها القسري؛ غياب يجتهد من حولهم في تعويضه بكل السبل، لكن يبقى حنان الأم لا يعوضه شيء.
اعتقال أمينة يلقي بظلاله الثقيلة أيضًا على زوجها، الذي بات في موقع يتطلب منه القيام بدور الأم والأب معًا، وتحمل مسؤوليات جديدة. سبق وأن خاض أديب تجربة الاعتقال، التي وصلت في مجموعها إلى سبع سنوات ونصف في سجون الاحتلال، وكان قد أُفرج عنه قبل اعتقال زوجته أمينة بنحو شهرين فقط.
نشتاق ماما

وخلال فترة اعتقاله، كانت أمينة مثالًا للزوجة الصابرة المحتسبة، والأم المربية التي لم تدّخر جهدًا في رعاية أبنائها والقيام على شؤون أسرتها. وأبدى الزوج خشيته على أمينة، في ظل ظروفها الصحية، مطالبًا المؤسسات المعنية بضرورة الوقوف عند مسؤولياتها، والعمل على تحسين ظروف احتجازها والإفراج عنها، لا سيما أنها بحاجة إلى الرعاية الصحية والعلاج، وينتظرها أبناؤها الذين لا يكفّون عن البكاء شوقًا إلى أمهم واحتضانها.
وعن ليلة اعتقالها، يقول أديب: “اقتحمت قوات الاحتلال بيتنا وبلغوني إنهم بدهم أمينة وما رح تطول، لبست وجهزت حالها واقتادوها للجيب، بعدها بالتحقيق وكانت الظروف قاسية جدًا وما بتراعي كونها امرأة، وبعد أيام نقلوها على سجن الدامون وأخضعوها للاعتقال الإداري”.
اقرأ أيضًا:بيان وبلال البرغوثي: زواج مؤجل بحكم المؤبد
وتشير المعطيات، بحسب مؤسسات الأسرى، إلى وجود نحو 90 أسيرة في سجن “الدامون”، بينهن حالات إنسانية وصحية بالغة الخطورة، تشمل أسيرتين حاملين، وعددًا من الأسيرات المصابات بأمراض خطيرة، إلى جانب أسيرة من ذوات الإعاقة، وأخرى مسنّة تعاني من مرض الزهايمر، وقاصرتين، وثلاث في العزل.
تواجه الأسيرات ظروفًا اعتقالية قاسية، من قمعات متكررة ومنع للفورة وتنكيل وشتائم، فضلًا عن صعوبات إضافية مرتبطة بالبعد عن الأسرة والأطفال والحرمان من أدوارهن الاجتماعية والإنسانية.

