بنفسج

"كتاب خمسة آلاف يوم في عالم البرزخ".. كتاب للأسير حسن سلامة

الخميس 01 أكتوبر

كتاب خمسة آلاف يوم في عالم البرزخ
كتاب خمسة آلاف يوم في عالم البرزخ

ليس "خمسة آلاف يوم في عالم البرزخ" كتابًا عن السجن بالمعنى التقليدي، بقدر ما هو محاولة للكتابة من داخل تجربة العزل الانفرادي الطويل، حيث لا يعود الزمن مجرد أيام متتابعة، ولا تصبح الزنزانة مجرد مكان مغلق، بل تتحول إلى عالم كامل له قوانينه وإيقاعه وذاكرته. صدر الكتاب عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في بيروت عام 2022، من تأليف الأسير الفلسطيني حسن عبد الرحمن سلامة، ويقع في نحو 224 صفحة.

يستمد الكتاب عنوانه من تجربة سلامة الذي أمضى، بحسب الكتاب وبيانات الناشر، نحو خمسة آلاف يوم في زنازين العزل الانفرادي خلال سنوات اعتقاله. ومن هنا تأتي كلمة "البرزخ" في العنوان باعتبارها استعارة للحالة التي يصفها الكاتب، حياة تقع في تصوره بين عالم الأحياء وعالم الأموات، فلا هي حياة طبيعية يستطيع فيها الإنسان أن يرى العالم ويتفاعل معه، ولا هي موت ينتهي معه الإحساس بالزمن والمكان.

حسن سلامة: صاحب المذكرات

كتاب الأسير حسن سلامه.jpg

حسن عبد الرحمن سلامة أسير فلسطيني اعتقلته السلطات الإسرائيلية بعد مطاردة إثر مسؤوليته عن عمليات "الثأر المقدس"، التي جاءت بعد اغتيال يحيى عياش عام 1996. صدر بحقه حكم بالسجن يتضمن 48 مؤبدًا و35 عامًا، ومنذ اعتقاله أصبحت تجربة العزل جزءًا أساسيًا من حياته داخل السجن.

المذكرات لا تتوقف عند السيرة السياسية لصاحبه، بل تنقل القارئ إلى التفاصيل اليومية لتجربة الأسر: الزنزانة والباب والطعام والقيود وأصوات السجانين والعلاقات مع الأسرى الآخرين والانتظار والمرض والاشتياق والحب، والبحث عن معنى للحياة في مكان صُمم أساسًا لعزل الإنسان عن العالم.


اقرأ أيضًا: غفران زامل وحسن سلامة: ميثاق مقدس لا يناله الاحتلال


من أبرز ما يمنح المذكرات قيمتها أن الكتابة نفسها تصبح جزءًا من موضوعه، فسلامة لم يكتب عن العزل بعد انتهائه، وإنما نشأت أجزاء من هذه اليوميات داخل تجربة العزل نفسها. وتشير التقارير التي تناولت الكتاب إلى أن تدويناته كُتبت على مراحل، ثم هُرّبت من السجن بطرق سرية، قبل أن تجمع وتصدر في صورتها المنشورة.

وهنا تتحول الكتابة من مجرد تسجيل للأحداث إلى وسيلة لمقاومة محو الزمن. فالأسير الذي يُحرم من الحركة والاتصال بالعالم يحاول أن يستعيد السيطرة على شيء واحد على الأقل "تسمية ما يحدث له وتسجيله" ولهذا تبدو اليوميات في الكتاب وكأنها محاولة لإثبات الوجود؛ فكل تفصيل يُكتب يعني أن صاحبه ما زال حاضرًا، يرى ويسجل ويتذكر.

لأن للأسير قلب نابض

الأسير حسن سلامه وخطيبته غفران زامل.jpg

ومن الجوانب اللافتة في المذكرات أنه لا يقدم الأسير باعتباره رقمًا أو حكمًا قضائيًا فقط، بل يكشف عن الإنسان الموجود خلف هذه الهوية. فبين صفحات العزل تظهر مشاعر الحنين والحب والحزن والفرح، وتظهر علاقات الكاتب بأسرى آخرين وبأفراد أسرته والمقربين منه.

الفصل الثالث بعنوان "العزل بطعم الحب"، فصل يخصصه سلامة لخطيبته غفران زامل، وكيف تعرف إليها ووكل الذكريات والتفاصيل التي طرأت على حياته من بعدها، ومن ضمن ذلك حالته النفسية والقوة التي استمدها منا والاستعانة بهذه الطاقة في الصمود.

العزلة في عنوان المذكرات لا تعني انعدام العلاقات تمامًا، إذ تستحضر عددًا من الأسرى الذين عاشوا تجارب العزل، ومن بينهم تيسير سليمان ومحمود عيسى ويحيى السنوار، كما يرصد أشكال التواصل والتعاون بين الأسرى داخل البيئة السجنية.

عالم البرزخ ... عالم السجون

الكتابة فعل مقاومة.jpg

وهنا يقدم مفارقة أساسية: المكان الذي يُفترض أن يؤدي إلى تفكيك الإنسان وعزله يمكن أن ينتج، في رواية الكاتب، أشكالًا جديدة من التضامن والصداقة والتشارك. فالزنزانة لا تبقى مساحة صمت مطلق، وإنما تصبح جزءًا من مجتمع صغير له ذاكرته وشخصياته وعلاقاته.

وتكمن أهمية "خمسة آلاف يوم في عالم البرزخ" في الجمع بين المذكرات الشخصية وشهادة الأسر والتوثيق اليومي. فهو لا يقدم دراسة أكاديمية للسجون، ولا يكتفي بالسرد الأدبي، بل يقف في منطقة وسطى بين الاثنين.


اقرأ أيضًا: بمؤبدي الحكم والحب.. "حسن وغفران يلتقيان على الورق"


وتزداد قيمته التوثيقية بسبب التفاصيل الصغيرة التي قد لا تظهر في التقارير العامة عن الاعتقال والعزل؛ فالتجربة هنا تُرى من الداخل ومن خلال عين شخص عاشها لسنوات طويلة.

وقد حظي الكتاب لاحقًا بتكريم لافت؛ إذ أعلن مركز الزيتونة في ديسمبر/كانون الأول 2024 فوزه بجائزة مسابقة فلسطين العالمية للآداب، ضمن مسابقة تلقت 360 عملًا بسبع لغات ومن 26 دولة.

أدب السجون

حياة السجون.jpg

إذا كان للكتاب من نقطة تستحق التوقف، فهي أن قرب حسن سلامة الشديد من التجربة يجعل النص مشبعًا بموقفه السياسي والشخصي، ولذلك ينبغي قراءته باعتباره شهادة ذاتية لا مصدرًا وحيدًا لإعادة بناء الوقائع التاريخية. وهذه ليست نقطة ضعف بالضرورة؛ فخصوصية المذكرات أنها تمنحنا ما لا تمنحه الوثيقة الرسمية: الخوف الشخصي والحنين والانتظار والتفاصيل اليومية.

وفي المحصلة، فإن "خمسة آلاف يوم في عالم البرزخ" هو كتاب عن الزمن بقدر ما هو كتاب عن السجن. خمسة آلاف يوم ليست مجرد رقم؛ إنها سنوات يحاول فيها الإنسان أن يمنع المكان المغلق من أن يختزل حياته. ومن خلال اليوميات، يستعيد الكاتب ذاكرته، ويمنح تفاصيل العزل لغة، ويحوّل التجربة الفردية إلى شهادة قابلة للقراءة خارج جدران الزنزانة.

لهذا يمكن قراءة الكتاب بوصفه نصًا من أدب السجون الفلسطيني، لكنه في الوقت نفسه نص عن الإنسان حين يُدفع إلى أقصى حدود العزلة، وعن قدرته على الاحتفاظ بالذاكرة والعلاقات والمعنى في ظروف استثنائية.