بنفسج

براءة أبو خديجة... خمسة أطفال ينتظرون أمهم وسادسهم يشاطرها الزنزانة

الأربعاء 07 أكتوبر

الأسيرة براءة أبو خديجة
الأسيرة براءة أبو خديجة

في الوقت الذي يكبر فيه جنين براءة أبو خديجة داخل رحمها، يكبر خمسة أطفال آخرون بعيدًا عنها. هناك، خلف أبواب البيت، تمر الأيام ثقيلة على أطفال اعتادوا حضور أمهم في تفاصيل حياتهم اليومية. وهنا، خلف أسوار سجن الدامون، تمضي براءة أسابيع حملها في ظروف مختلفة تمامًا عن تلك التي كان يفترض أن تستقبل فيها طفلها القادم.

اعتُقلت براءة بسام حسني أبو خديجة في السادس والعشرين من آب/أغسطس عند حاجز دير شرف، وكانت في شهرها الرابع من الحمل. منذ تلك اللحظة لم تعد القضية مرتبطة باعتقال امرأة فلسطينية فحسب، بل بقصة عائلة كاملة وجدت نفسها أمام واقع جديد فرضته لحظة واحدة.

اليوم، تقف براءة في نقطة تتقاطع فيها الأمومة مع الاعتقال. طفل لم يولد بعد يرافقها في الزنزانة، وخمسة أطفال ينتظرونها في الخارج، وأسرة تحاول إعادة ترتيب حياتها في ظل غيابها.

من حاجز دير شرف إلى سجن الدامون

الأسيرة براءة أبو خديجة1.jpg

بعد اعتقالها وُجهت إلى براءة تهمة محاولة تنفيذ عملية طعن، وهي الرواية التي ترفضها عائلتها وتؤكد عدم صحتها. وبعد فترة وجيزة من الاعتقال نُقلت إلى سجن الدامون، لتبدأ مرحلة جديدة من حياتها وهي في واحدة من أكثر مراحل الحمل حساسية.

الحمل بطبيعته يحتاج إلى متابعة صحية مستمرة ورعاية منتظمة وغذاء مناسب وبيئة مستقرة نسبيًا. لكن الاعتقال قلب المعادلة بالكامل. فبدل أن تكون محاطة بعائلتها وتستعد لاستقبال مولودها الجديد، وجدت نفسها تخوض تجربة الحمل داخل السجن.

ومع انتقالها إلى الدامون لم يتغير مكان وجودها فقط، بل تبدلت حياة عائلة كاملة. فالأطفال الذين كانوا يعتمدون على أمهم في تفاصيل حياتهم اليومية وجدوا أنفسهم فجأة أمام غياب طويل لا يعرف أحد متى سينتهي.

خمسة أطفال في مواجهة الغياب

أبناء الأسيرات.jpg

القصة الأكثر قسوة في قضية براءة قد لا تكون الاعتقال نفسه، بل ما تركه هذا الاعتقال خلفه. خمسة أطفال باتوا بعيدين عن أمهم منذ يوم اعتقالها. خمسة أطفال تغيرت تفاصيل حياتهم اليومية دفعة واحدة. لم يعد الغياب حدثًا عابرًا، بل أصبح جزءًا من يومهم المعتاد

انتقلت مسؤولية رعاية الأطفال إلى جدتهم التي فقدت زوجها سابقًا، لتجد نفسها أمام عبء جديد يتمثل في تربية خمسة أحفاد ومتابعة شؤونهم اليومية، إلى جانب متابعة قضية ابنتها وظروف احتجازها.


اقرأ أيضًا: بيان وبلال البرغوثي: زواج مؤجل بحكم المؤبد


وتختصر الجدة حجم المعاناة بعبارة موجزة لكنها ثقيلة الدلالة حين تصف واقع الأسرة بأنه أصبح "تحت الصفر"، مضيفة أن أمامها اليوم مسؤولية خمسة أطفال صغار يحتاجون إلى الرعاية الكاملة.

وراء هذه الكلمات تتوارى تفاصيل كثيرة لا تظهر عادة في ملفات المحاكم أو أخبار الاعتقال. هناك احتياجات يومية وتعليم ومصاريف ومسؤوليات نفسية واجتماعية متراكمة. وهناك أطفال يحاولون فهم سبب غياب أمهم، وأسرة تحاول ملء فراغ يصعب ملؤه. أما زوج براءة، فيواجه بدوره أعباء إضافية مادية ونفسية منذ لحظة الاعتقال، لتتحول القضية من اعتقال فرد إلى أزمة تمس أسرة كاملة بكل تفاصيلها.

الحمل داخل السجن.. قصة تتكرر

أم حامل في السجون.jpg

قضية براءة ليست الأولى من نوعها. خلال السنوات الأخيرة برزت عدة حالات لأسيرات فلسطينيات دخلن السجن وهن حوامل أو واصلن حملهن خلال فترة الاحتجاز. في عام 2025 برزت حالتا ريما بلاوي وزهراء كوازبة داخل سجن الدامون. كانت بلاري أمًا لطفلين، بينما كانت كوازبة أمًا لثلاثة أطفال. وكلتاهما خاضتا تجربة الحمل أثناء الاعتقال.

لاحقًا أُفرج عن زهراء كوازبة في آب/أغسطس 2025 بعد نحو أربعة أشهر ونصف من الاحتجاز، إلا أن مسار جميع الحالات لم يكن متشابهًا. بعض الأسيرات غادرن السجن قبل الولادة، بينما استمر احتجاز أخريات لفترات أطول. هذا التفاوت يجعل كل حالة مفتوحة على احتمالات متعددة، ويجعل عامل الزمن عنصرًا أساسيًا في متابعة أي قضية تتعلق بأسيرة حامل.

إحدى أبرز المحطات التي أعادت تسليط الضوء على هذا الملف كانت حالة الأسيرة تهاني أبو سمحان، التي وضعت مولودها داخل السجن في أيلول/سبتمبر 2025 أثناء استمرار احتجازها. تكمن أهمية هذه الحالة في أنها كشفت أن استمرار الاعتقال حتى موعد الولادة ليس احتمالًا نظريًا، بل واقعًا حدث بالفعل.

ومن هنا تكتسب قضية براءة بعدًا إضافيًا. فكل يوم إضافي تمضيه في السجن يفتح أسئلة جديدة تتعلق بمسار الحمل والرعاية الصحية والولادة والمرحلة التي تليها. فالقضية لم تعد مرتبطة بامرأة حامل داخل السجن فقط، بل بمستقبل مرحلة كاملة لم تتضح نهايتها بعد.

ثلاث أسيرات حوامل في الدامون عام 2026

الولادة في السجون.jpg

عاد ملف الأسيرات الحوامل إلى الواجهة مجددًا خلال عام 2026 مع وجود ثلاث أسيرات حوامل في سجن الدامون خلال الفترة نفسها. كانت أمينة شاهر الطويل، البالغة من العمر 37 عامًا من قلقيلية، في شهرها الرابع من الحمل وهي أم لأربعة أطفال. اعتُقلت في الثامن عشر من آذار/مارس 2026 قبل الإفراج عنها لاحقًا.

كما كانت دانا عناد جودة، 35 عامًا من نابلس، حاملًا في شهرها الخامس وأمًا لطفل واحد. اعتُقلت في الثامن عشر من نيسان/أبريل 2026، ثم حُولت إلى الاعتقال الإداري لمدة ستة أشهر وما تزال قيد الاعتقال. أما منار إبراهيم، البالغة 28 عامًا من رام الله، فكانت في شهرها الرابع من الحمل وأمًا لطفلين عندما اعتُقلت في الثلاثين من نيسان/أبريل 2026، وما تزال محتجزة حتى اليوم.

وجود هذه الحالات الثلاث في الفترة نفسها يوضح أن قضية براءة لا تأتي بوصفها حادثة منفصلة أو استثناءً نادرًا، بل ضمن سياق أوسع شهد تكرار حالات الحمل داخل السجون خلال فترة زمنية متقاربة.

بينما يواصل جنين براءة نموه داخل رحمها، يواصل أطفالها الخمسة نموهم أيضًا خارج أسوار السجن. وبين النموين تمتد مسافة كاملة من الانتظار والقلق والترقب، تختصر حكاية أسرة بأكملها منذ السادس والعشرين من آب/أغسطس وحتى اليوم.