بعد فقدان من نحب، نبحث أحيانًا عن طريقة تُبقيهم قريبين منا؛ في صورة، أو ذكرى، أو حكاية، أو مكان يحمل أسماءهم. وبالنسبة إلى فريال حبيب، لم تتوقف محاولة إبقاء شقيقها مصباح حاضرًا عند الذكريات، بل اختارت أن تمنحه مكانًا جديدًا يستمر فيه اسمه وحلمه.
استُشهد مصباح حبيب في 22 ديسمبر/كانون الأول 2024، أثناء توجهه في مهمة إنسانية لتوزيع طرود على النازحين في شمال قطاع غزة. وبعد عام من غيابه، أسست شقيقته "روضة ومركز المصباح التعليمي"، ليصبح اسمه جزءًا من حياة أطفال لم يعرفوه، وليستمر من خلالهم حلمه بالتعليم ومساعدة الآخرين.
18 عامًا من الانتظار

حين تستعيد فريال طفولتها، لا تجد فيها شيئًا منفصلًا عن شقيقها. كان يوصلها إلى المدرسة، ويدرسان معًا، ويلعبان سويًا، ويتشاجران كثيرًا، ثم يعودان إلى بعضهما، حتى كانت العائلة تقول لهما: "فش حد بتقاتل قدكم". وتلخص فريال تلك السنوات بقولها: "لما أرجع أتذكر طفولتي، بحس إنها كانت عبارة عن مصباح وبس".
كانت العائلة تتكون من ست شقيقات ومصباح، الذي كان الأخ الأكبر. وكان مصباح يتمنى أن يكون له أخ، وكان يكبر شقيقه محمد بـ18 عامًا. تقول فريال إن فرحته يوم ولادة محمد لم تسعه، ومع مرور السنوات أصبح شقيقه الصغير قريبًا منه إلى درجة كبيرة، وكان مصباح يعامله كصديق، ولا يرفض له طلبًا.
ثم تزوج مصباح وأصبح أبًا لطفلين، هيا، 5 أعوام، وكريم، 4 أعوام. تقول فريال: "كان حنونًا جدًا عليهم، وكانت روحه متعلقة فيهم بشدة". تسترجع في ذاكرتها إلى أول أيام حرب الإبادة، حيثُ اضطرت العائلة إلى النزوح نحو جنوب قطاع غزة، بينما بقي مصباح في مدينة غزة، رافضًا مغادرتها، حتى أنه أوصل عائلته بالسيارة ثم عاد وحيدًا.
اقرأ أيضًا: عامان تحت الأنقاض: ندى بدوان حين يجرح الأمل صاحبه
خلال فترة النزوح الأول ومع انقطاع شبكات الاتصال وصعوبة الوصول إليه، كان أكثر ما يؤلمه هو ابتعاده عن طفليه. تتذكر فريال أنه عندما تمكَّن للمرة الأولى من إجراء مكالمة فيديو معهما، بكى بشدة، وللوهلة الأولى لم يتعرف إلى ابنه كريم، الذي كان قد نزح مع العائلة وهو لا يزال رضيعًا. تقول: "حتى ونحن في جنوب القطاع، كان أول من يهاتفنا ويتصل بنا عندما تحسنت شبكات الاتصال في وقتٍ لاحق، كان يفهم ماذا نشعر دون أن نتكلم، وكان سندنا في كل وقت. واليوم نحن نشتاقه جدًا".
تتذكر فريال صباح يوم استشهاد مصباح باعتباره اليوم الذي انقسمت فيه حياة العائلة إلى ما قبل وما بعد. كان الوقت نحو العاشرة صباحًا عندما وصل خبر استشهاده. تتذكر صراخ والدتها، وبكاء والدها حين اتصل به أحد أصدقاء مصباح من غزة وقال له: "مش عارف شو أقول لك يا عم، لكن مصباح استشهد، وهينا بدنا ندفنه".
سأل والدها: "تأكدتوا إنه هو؟" وفي الجهة الأخرى من المشهد، كان شقيقه محمد، البالغ من العمر حينها 6 أعوام، يكرر: "يا بابا، أنا اشتقتله.. طب بدي أشوفه وأودعه". وتتذكر فريال انهيار زوجته آيات، واحتضانها لطفليهما كريم وهيا، وهي تقول: "اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها".
"بدنا ندفنه"

أما هي، فلم تستوعب الخبر. حاولت الاتصال بمصباح وإرسال الرسائل إليه، وكتبت له: "أمانة يخو رد"، وكأن الرد يمكن أن يعيد ترتيب الواقع. لكنه لم يرد. ومنذ ذلك اليوم، تقول فريال إن العائلة كلها تغيرت: "الدنيا بالنسبة إلنا كأنها ماشية، بس إحنا لسا واقفين عند ذلك اليوم".
حتى ذكرياته أصبحت ثقيلة على الكلام. فعندما يحاول أفراد العائلة الحديث عنه، تبكي والدتها وتدمع عينا والدها، فيتجنبون أحيانًا استعادة تفاصيله، لا لأنهم نسوه، وإنما لأن حضوره فيهم أكبر من قدرتهم على الحديث عنه.
حين عادت العائلة إلى غزة، مرت على ركام منزلها، ولم تجد شيئًا منه. ثم توجهت إلى قبر مصباح في مقبرة البطش بحي الشجاعية، الذي أصبح بالنسبة إلى فريال مكانًا تلجأ إليه كلما اشتاقت إليه. تقول: "كل ما أشتاق إليه أذهب إلى هناك".
اقرأ أيضًا: خالد أبو عودة: رجل الميدان الذي لقى ربه محاصرًا جائعًا
لكن المكان الذي كان يمنحها فرصة للوقوف بالقرب منه لم يعد موجودًا. تقول إن الجيش الإسرائيلي نسف المنطقة بأكملها، وأصبحت ضمن حدود الخط الأصفر، فلم تعد العائلة قادرة على الوصول إلى قبره الذي لم يعد موجود أصلًا، وتقول: "حتى زيارة قبره حرمونا منها". قبل استشهاده، كان مصباح يوصي فريال بأطفاله هيا وكريم وبزوجته آيات. كان يقول لها: "ما تحسسيهم إني بعيد، ما تخلي حد يقرب عليهم، ديري بالك عليهم يختي".
بعد رحيله، أصبحت تلك الوصية جزءًا من حياة فريال. تحاول أن تجعل طفلي مصباح يشعران بأن والدهما لم يتركهما وحدهما. تقول لهما إن كل ما تقدمه لهما هو "من بابا"، وتحكي لهما عنه وعن تفاصيل حياته، وتريهما صوره، خصوصًا صوره في طفولته، حتى يبقى حاضرًا في ذاكرتهما. وتتذكر أنه قال لها يومًا: "بدي هيا وكريم لما يكبروا يعرفوا إن أبوهم كان مشتاق إلهم لآخر لحظة، وإنهم كانوا كل إشي بحياته".
روضة باسمه

كانت فريال تعمل معلمة للغة الإنجليزية قبل الحرب، لكنها فقدت عملها. وبعد استشهاد شقيقها، دخلت مرحلة صعبة؛ كانت تعرف أنها تستطيع إعطاء دروس للطلاب، خصوصًا أن كثيرين كانوا يطلبون منها ذلك، لكنها كانت ترفض. كانت تخشى أن تبدأ حياة جديدة، ثم تشعر بأنها تترك مصباح خلفها، حتى جاء حديثها مع والدها. قال لها: "نفسي أنادي على اسم مصباح من تاني"، كانت تلك الجملة بداية الفكرة.
بدأت فريال تفكر في مكان يحمل اسم شقيقها، ويكون في الوقت نفسه استمرارًا لما كان يؤمن به: التعليم ومساعدة الآخرين. وفي الذكرى الأولى لاستشهاده، افتتحت "روضة ومركز المصباح التعليمي". تقول: "رجعت ضويت المصباح.. علشان يضل سند إلي ولأهلي".
لم يكن التعليم اختيارًا عابرًا في قصة المركز. كان مصباح يتمنى أن يدرس في الجامعة ويكمل تعليمه بعد الحرب، لكنه رحل قبل أن يحقق ذلك. وكان طوال حياته يشجع إخوته بالاستمرار في الدراسة. بالنسبة إلى فريال، يبدو أن جزءًا من حلمه ما زال مستمرًا.
اقرأ أيضًا: الأزرق الذي لا يشبه السماء.. هنا بوابة النازحين
يستقبل المركز التعليمي طلابًا تركوا المدرسة لفترات طويلة، ويأتون لاستعادة ما فاتهم من تعليم. وعندما تراهم يتعلمون ويتحسنون، تتذكر شقيقها. تقول بفخر: "بشعر وقتها كأني بدرس مصباح، وكأني بساعده يكمل الحلم اللي ما لحق يكمله".
في الروضة، يحمل اسم مصباح حضورًا يوميًا. للأطفال نشيد خاص به يبدأون به صباحهم: "مصباحي يا مصباحي.. فيك يبدأ صباحي.. جيتك أتعلم وألعب.. وأفرد للعلم جناحي".. تستمع فريال إلى الأطفال وهم ينشدون، فتتوقف عند المفارقة؛ شقيقها الذي رحل، وأطفال لم يعرفوه، يرددون اسمه كل صباح.
لا تريد فريال أن يُعرف مصباح بالاستشهاد وحده، بل بما كان عليه: إنسانًا يحب الناس، ويساعدهم، ويشجعهم على التعلم. تحكي للأطفال عن شقيقها، وعن حبها له، وعن سبب حمل المكان اسمه. وتريد لكل طفل أو شاب يدخل المركز أن يتمسك بحلمه، حتى لو تأخر، وحتى لو مر بظروف قاسية، تقول: "يمكن إحنا ما قدرنا نكمل حلم مصباح نفسه، بس بنقدر نساعد غيره يحقق حلمه". وحين سُئلت عما ستقوله له لو عاد للحظة، لم تجد كلامًا كثيرًا. قالت:"مكنتش هقول إشي… كنت هحضنه وبس".

