بنفسج

مذكرات عنبرة الخالدة: الذاكرة كمصدر للتأريخ الاجتماعي

الثلاثاء 16 مارس

عنبرة سلام الخالدي، هي سيدة لبنانية، وابنة أحد الزعماء المسلمين في بيروت، وهي زوجة الفلسطيني أحمد سامح الخالدي. تتنقل عنبرة سلام الخالدي في مذكراتها التي نُشرت في عام 1978 تحت عنوان "جولة في الذكريات بين لبنان وفلسطين"، بين عدة محطات اجتماعية وثقافية وسياسية، عاصرتها كفتاة لبنانية تنتمي لعائلة مسلمة، ذات مكانة اجتماعية وسياسية مرموقة.

وتؤكد عنبرة في تقديمها للمذكرات، أن ما تسعى لكتابته هو نوع من التأريخ الاجتماعي وليس "سيرة ذاتية"، وهو ما ينعكس في ميلها لتأطير السرد، وفقًا للأحداث السياسية والاجتماعية الفاصلة، أكثر من الأحداث الشخصية. وبالرغم من ذلك، فإن مذكراتها تحمل الكثير من السرد لتفاصيل حياتها الشخصية والعائلية، مع محاولة الكاتبة المتواصلة لربط هذه التفاصيل بالسياق السياسي والاجتماعي، لكل فترة زمنية. وهنا، محاولة تقديم مراجعة نقدية لهذا النوع من المصادر للتأريخ الاجتماعي، من خلال مناقشة تناول الكاتبة لبعض المحاور، وهي: العائلة، المرأة، المشهد العام، الهوية، الزواج.

| العائلة كحاضنة لطموحات الفتاة الثائرة

عنبرة سلام الخالدي، هي سيدة لبنانية، وابنة أحد الزعماء المسلمين في بيروت، وهي زوجة الفلسطيني أحمد سامح الخالدي.
 
لاقت الدعم  من عائلتها، وخاصة والدها الذي لم يقف عائقًا أمامها في اتخاذ قرارات، كانت تعتبر قمة الجرأة في مجتمع ذكوري. وظهر ذلك جليًا في تحمل والدها للنقد الذي طاله من جراء إدخال أولاده مدرسة أجنبية، وكشف عنبرة لوجهها أثناء مشاركتها في أحد المؤتمرات. 
 
تدور معظم مذكرات عنبرة حول واقع المرأة في المجتمع اللبناني، في الحقبات الزمنية المختلفة التي تؤرخ لها، وتركز عنبرة حديثها عن قمع النساء في مجتمع ذكوري محافظ على قضيتين رئيسيتين، وهما الحجاب والحياة العامة.

تنطلق الكاتبة بمذكراتها من الحديث عن نشأتها وعائلتها، والتي تراها مثالًا لغيرها من العائلات المحافظة المنتمية لذات الطبقة الاجتماعية. فتفرد مساحة جيدة للحديث عن أمها وأبيها وإخوتها الذكور، في حين نجد حيزًا أقل لأخواتها الإناث، ولكن تبقى المساحة الأوسع لوالدها، وذلك لعلاقته بكثير من الأحداث السياسية، والقضايا الاجتماعية التي كانت تحاول أن تؤرخ لها.

وتسيطر "الصورة الجميلة" للعائلة على التفاصيل الخاصة بعائلتها، وعلاقتهم ببعضهم البعض، وهو ما جعل الوصف تسيطر عليه العاطفة التي تحن لأيام غابرة. وخير تعبير لهذه المشاعر كان على لسان عنبرة التي تصف شعورها عند تذكرها لاجتماعات عائلتها "بالنشوة اللذيذة" (سلام الخالدي 1978، 23). وهو ما قد يثير تساؤلًا في نفس القارئ عن أثر هذه المشاعر على سردها للتفاصيل المتعلقة بعائلتها، باعتبارها تأريخًا اجتماعيًا للعائلات اللبنانية المحافظة في ذلك الوقت، كما تقول.

فذكرياتها الجميلة قد تكون حجبت، أو أسكتت كثيرًا من التفاصيل التي قد تعكر صفو هذه الصورة النقية للعائلة التي يحتفظ بها الأبناء عند كبرهم، خاصة أن عنبرة أشارت إلى أنها لم تكن تكتب يومياتها، واعتمدت فقط على ذاكرتها في السرد. بالإضافة إلى إشارتها أنها لم تكن تقيم في عائلة ممتدة، كالتي وصفت طبيعة العلاقات فيها، والتي كانت النمط السائد للعائلات اللبنانية، على حد وصفها، وهو ما قد يثير تحفظًا على اعتبار عائلتها كنموذج لمثيلاتها من العائلات.

ولا شك أن جملة من التفاصيل التي ذكرتها عن عائلتها كانت تتشابه مع غيرها، كالقضايا المتعلقة بالعادات الاجتماعية، مثل طرق الخطبة، والزواج، وتفضيل زواج الأقارب، وكذلك العادات المتعلقة بالمآتم والأعياد، وبالتأكيد، تحجب السيدات. وهي العادات والتقاليد السائدة في المجتمعات الشامية، والتي لها امتداداتها حتى وقتنا الحاضر، والتي يمكن القول بأن الكاتبة قدمتها بطريقة مشوقة وسلسة.

وفيما يخص الدعم الذي شكلته العائلة لعنبرة، عبرت الكاتبة باستمرار، عن عائلتها كحاضنة لطموحاتها وأحلامها، وخاصة والدها الذي لم يقف عائقًا أمامها في اتخاذ قرارات، كانت تعتبر قمة الجرأة في مجتمع ذكوري. وظهر ذلك جليًا في تحمل والدها للنقد الذي طاله من جراء إدخال أولاده مدرسة أجنبية، وكشف عنبرة لوجهها أثناء مشاركتها في أحد المؤتمرات. علاوة على ذلك، فقد حرص والديها على تعليمها، وهو ما دفعهم أثناء الحرب الكبرى إلى تأمين تعليمها منزليًا، وهو ما ساهم بتطور مهاراتها في الكتابة، ونشر مقالاتها في الصحف، وهي في سن السادسة عشرة.

| المرأة والقيود الاجتماعية

نساء لبنان.jpg
ملابس نساء لبنان قديمًا

تدور معظم مذكرات عنبرة حول واقع المرأة في المجتمع اللبناني، في الحقبات الزمنية المختلفة التي تؤرخ لها، وهي تشير إلى أن ما ترويه هو حال النساء من الطبقة الاجتماعية التي كانت تنمتي لها. وتركز عنبرة حديثها عن قمع النساء في مجتمع ذكوري محافظ على قضيتين رئيسيتين، وهما الحجاب والحياة العامة. فشكل الحجاب الذي تسميه عنبرة "السور الحديدي" (المرجع السابق،38)، جوهر القمع الذي كان يحجب عنبرة ومثيلاتها من المشاركة في الحياة العامة، بما فيها حضور الأعياد، والطقوس الدينية، واللعب في الساحات والمشاركة في الأندية الأدبية، والمؤتمرات، والنزول في الفنادق.

 وتشير مذكرات عنبرة سلام إلى الدور الذي لعبه المجتمع المحيط في فرض تلك القيود على النساء، رغم وجود هامش من الحرية داخل حدود العائلة. وهو ما بدأت تعيه الكاتبة منذ سن العاشرة، حيث بدأت تسمع المضايقات من الحي حول سفورها، وتقصير أهلها في تربيتها بشكل سليم. وهو ما دفعها لطلب التحجب في سن الصغير، وهو ما كانت تحبذه والدتها، التي كانت كما وصفتها عنبرة أكثر تمسكًا بالتقاليد من والدها، رغم أنها كانت متعلمة. ولم يفت عنبرة أن تذكر علاقتها بشحاذة في طفولتها، إذ تشير إلى انعتاق الفتيات من الطبقات الدنيا من كثير من القيود التي فرضتها الطبقة الاجتماعية المرموقة على فتياتها (المرجع السابق،39).

لينان6.jpg
نساء لبنان وشوراعها قديمًا

وتشير الكاتبة إلى القدر العالي من الحرية الفكرية التي تمتعت بها منذ نعومة أظفارها، والتي كان لوالدها أثر بالغ في تبلورها كما أشرنا في السابق. بالإضافة إلى الاستقلالية في أخذ قرارات مهمة، كرفضها الكثير من العرسان اللذين تقدموا لخطبتها، وعدم قبولها تقاليد الزواج دون تعارف مسبق بين الطرفين. كما تصف أنها كانت أول من كشفت عن وجهها في مكان عام ليثور المجتمع ضدها وضد أهلها، وهي الخطوة التي مهدت الطريق لغيرها من الفتيات لتحدي هذا القيد، واندثاره في الأجيال الجديدة التي تلتهن.

كما كانت من أوائل الناشطات النسائيات اللواتي شكلن أول جمعية نسائية اهتمت بالتعليم والخدمات المجتمعية. وبما أن انفتاح والدها كان له الدور الأبرز في قوة الشخصية التي تمتعت بها عنبرة، فإن غياب هذا العنصر من حياة غيرها من النساء اللواتي انتمين لنفس الطبقة الاجتماعية، قد يجعل هذه الصورة غير قابلة للتعميم. وهو ما يظهر مثلًا في الخبرة التي اكتسبتها في سفرها إلى القاهرة، حيث انبهرت بقدر الحرية التي يتمتعن بها، وكذلك رحلتها التعليمية إلى إنكلترا، والتي كانت محورية في انتفاضتها على القيود المجتمعية.

| المشهد العام والاختراعات

لبنان5.jpg

تبدع الكاتبة في وصف المشهد العام، من حيث التصميم العمراني للمنازل في حيها "المصيطبة"، من حيث التصميم والنقوش، والحمامات، والشوارع الضيقة. كما تسهب في وصف المدارس التي التحقت بها، وأنظمتها التعليمية، ولا تنسى أن تذكر أن والدتها كانت أول من جلب "البابور" إلى المدرسة التي كانت ترتادها. حيث عملت على تعليم الخادمة على استعماله لتسخين الطعام للطلاب، مشيرة إلى حداثة هذا الاختراع في بيروت عام 1905-1906 (المرجع السابق،30).

كما تشير إلى الدور الذي كانت تلعبه المقاهي في ذلك الوقت، كوسيلة للتسلية، خاصة للذكور، حيث يستمع الحضور لقصص عنترة، والزير سالم، وأبو زيد الهلالي. كما يستمتعون بسينما تلك الأيام، كما تصفه عنبرة، وهو "الكركوز" و"الحكواتي"، اللذان لطالما حلمت عنبرة الاستمتاع بهما في طفولتها. كما تصف الحفلات النسائية، وترتيباتها خاصة، تلك المتعلقة بتكريم حفظة القرآن، وتذكر عنبرة أنها أتمت ختم القرآن وهي في العاشرة من عمرها.

وتسهب عنبرة في وصف احتفالات الأعياد والأماكن العامة التي كانت على ما يبدو، مجالًا للتفاعل الاجتماعي، وكذلك أماكن الاصطياف، وخاصة الجبال التي ركزت على تعلقها بطبيعتها وأشجارها، من السنديان والزيتون. كما تشير إلى صعوبة المواصلات آنذاك، حيث كانت القطارات وسيلة النقل الرئيسية بين المدن اللبنانية المختلفة، في حين تستخدم الدواب في التنقلات الداخلية. وتشير إلى أن أول مرة شاهدت فيها السيارة في عام 1912 عند زيارتها للقاهرة، لتركبها بعدها بسبع سنوات في زيارة لحيفا. كما تعرفت عنبرة في رحلتها للقاهرة على المصاعد الكهربائية لأول مرة، وعلى الكهرباء، في حين كانت أول طائرة فرنسية تشاهدها في بيروت عام 1913.

| الهويات والوعي السياسي

انقلاب على السلطان.png

تركز عنبرة في مذكراتها على التسامح الديني بين المسيحين والمسلمين في المجتمع البيروتي، وهو ما لا تتردد في ذكره بعدة مواقع مختلفة، ومنه ما هو بحاجة للتدقيق، باعتبارها مختارات جميلة من الذاكرة، إذ تكون قد حجبت الكثير من الصراعات الطائفية التي شهدها المجتمع اللبناني. وتشير عنبرة إلى أول حدث سياسي مهم في حياتها، وهو الانقلاب العثماني على السلطان عبد الحميد، على يد جمعية الاتحاد والترقي.

وتأخذها ذكرياتها للأفراح والاحتفالات التي عمت البلد بهذه المناسبة، لما حملته من تفاؤل بمستقبل أقل استبدادًا. ولكن سرعان ما تبددت هذه الفرحة عند اكتشاف العرب، بأن التغيير لم يحمل للعرب قدرًا أعلى من المساواة والعدالة. وتركز عنبرة على وصف القومية العربية وعلاقتها بالدولة العثمانية، باعتبارها كانت دائمًا جزءًا من الدولة الكبرى، ولم تسع للانفصال، وإنما دعت للامركزية في الحكم.

كما كان التآزر مع الدولة الأم يظهر عندما تكون عرضة لخطر خارجي. ومع تزايد محاولات التتريك، خرجت أصوات عربية تدعو للحفاظ على الكيان العربي، تركزت في لبنان، التي انطلقت فيها صحف تنتقد أساليب الدولة تجاه العرب، وهما جريدتا "الاتحاد العثماني" و"المفيد" اللتان تعرضتا للإغلاق المستمر.

المؤتمر العربي.jpg
أعضاء من المؤتمر العربي الأول في باريس

لمع نجم عنبرة، ووعيها السياسي، عندما أرسلت مع عدة فتيات، رسالة إلى مؤتمر باريس الذي عُقد لتباحث أوضاع العرب في ظل اضطهاد الأتراك. فكانت رسالتهن أول ما تُلي في المؤتمر، لما حملته من مؤازرة وتضامن، وكذلك أصوات نسائية. وتلاها نشر عنبرة لمقال بتوقيع "فتاة بيروت" في مجلة "المفيد"، وهو ما أعقبه عدة مقالات توجه عدد منها للنساء ودورهن في المجتمع.

تباعًا، بدأت مظاهر الثورة على الدولة العثمانية تجد طريقها إلى نفوس الشباب العرب، بعد أن كان التوجه السائد هو البقاء تحت إمرة الدولة لمواجهة الخطر الغربي. وكان أحد أبرز الثوار الشباب عبد الغني العريسي الذي كان خطيبًا لعنبرة، حتى أعدمه جمال باشا وعدد من زملائه.

وتصف الألم الذي شعرت به عندما طلب منها أن تقف أمام جمال باشا لتلقي خطابًا عن الويلات التي تشهدها بلادها، وقد فعلت تحت ضغط المحيطين. لتنتقل بعدها للعمل الإغاثي، والذي تمثل في الملاجىء التي تؤوي الجوعى ومصنعًا للنساء، تم دعمهم من الحكومة. 

وتشير عنبرة للحرب العالمية الكبرى، وهجرتها مع أهلها إلى سوريا، التي تزامنت مع استلام "جمال باشا السفاح" لقيادة الجيش الرابع. والذي بدأ باعتقال كل من كانت له علاقة بالإصلاحيين، حيث كان والد عنبرة من بين المعتقلين. وهو ما حمل العائلة للعودة إلى بيروت، وتصف عنبرة بشكل جيد حالة الفقر المدقع والجوع التي شهدتهما بيروت في الحرب.

وتصف الألم الذي شعرت به عندما طلب منها أن تقف أمام جمال باشا لتلقي خطابًا عن الويلات التي تشهدها بلادها، وقد فعلت تحت ضغط المحيطين. لتنتقل بعدها للعمل الإغاثي، والذي تمثل في الملاجىء التي تؤوي الجوعى ومصنعًا للنساء، تم دعمهم من الحكومة. ومع إنتهاء الحرب، دخلت بيروت تحت الاحتلال الفرنسي، وهو ما عارضه والدها، مما أدى ذلك إلى نفيه إلى روما. وهو ما تلاه تدهور في الحالة الاقتصادية للعائلة، خاصة مع التضييق الذي شهده في الاستفادة من الامتياز الذي حصل عليه من الدولة العثمانية، بتجفيف مستنقعات الحولة واستثمارها.

| الزواج والانتقال إلى فلسطين

 
 
تزوجها الفلسطيني أحمد الخالدي، والذي رفضته في البداية، لأنها لم تعرفه من قبل، وكذلك رفض أخوتها لعدم رغبتهم في ابتعادها عن العائلة التي اعتادت على وجودها بينهم.
 
وتم عقد القران في القدس في عام 1929، وأثارت بطاقة الدعوة التي لا تحمل اسم عنبرة بل عبارة "كريمة سليم سلام" حفيظة وعتب عنبرة، ليسترضيها خطيبها أحمد الخالدي بقصيدة، عاونه على كتابتها الشاعر إبراهيم طوقان.
 
وتروي الكاتبة أنها لم تشعر بالوحشة عند الانتقال للعيش في القدس، حيث انخرطت في ذات السنة بالناشطات الوطنيات الفلسطينيات، وتم إخلاء بيتها عدة مرات في أواخر الثلاثينات، وتم احتلاله من قبل الجيش الإنجليزي، لقمع التحركات العربية.

تسرد الكاتبة تفاصيل زواجها من الفلسطيني أحمد الخالدي، والذي بُدأ بالرفض من قبلها، لأنها لم تعرفه من قبل، وكذلك رفض أخوتها لعدم رغبتهم في ابتعادها عن العائلة التي اعتادت على وجودها بينهم. وتروي تفاصيل لقائها التعارفي معه، حيث حضر من القدس ليجلس معها، فيثير إعجابها بسعة علمه وثقافته، ولكن لم يتم القبول النهائي حتى اللقاء الثالث.

وتم عقد القران في القدس في عام 1929، وأثارت بطاقة الدعوة التي لا تحمل اسم عنبرة بل عبارة "كريمة سليم سلام" حفيظة وعتب عنبرة، ليسترضيها خطيبها أحمد الخالدي بقصيدة، عاونه على كتابتها الشاعر إبراهيم طوقان. وتروي الكاتبة أنها لم تشعر بالوحشة عند الانتقال للعيش في القدس، حيث انخرطت في ذات السنة بالناشطات الوطنيات الفلسطينيات، وتم إخلاء بيتها عدة مرات في أواخر الثلاثينات، وتم احتلاله من قبل الجيش الإنجليزي، لقمع التحركات العربية.

وتتوسع عنبرة في سرد النشاط النسائي في ظل المجازر الصهيونية بحق الفلسطينيين، واصفة المرأة الفلسطينية بميلها دومًا نحو "التحفظ بالقول، والجد في العمل، والصلابة في العقيدة، وهي بطبيعتها لا تميل إلى المزاح، بل تتسم في مجالسها - وعلى الأخص القدسية منها- بالرصانة والوقار، مهما كانت الظروف" (المرجع السابق، 190). وهنا، فإن عنبرة سلام تتحدث عن تعميم مرتبط بطبقة النساء التي كانت على تماس معهن، واللواتي ينتمين للعائلات، الكبيرة كالخالدي والحسيني، في حين قد لا يصلح هذا التعميم للنساء الريفيات على سبيل المثال.

عام 1948 هاجر أحمد وعنبرة إلى لبنان، حيث عمل أحمد على بناء مدرسة في الجنوب لأبناء المهاجرين الفلسطينيين، كان يحلم ببناء مدرسة شبيهة بالشمال قبل أن توافيه المنية بعد الهجرة بمدة قصيرة. وهو الحدث الذي كان له بالغ الأثر على حياة عنبرة التي اعتزلت نوعًا ما الحياة الاجتماعية والنشاطات النسائية، أثناء إقامتها في بيروت.

عنبرة الخالدي.png
عنبرة الخالدي

لا بد من أن المذكرات توفر كنزًا من المعلومات، والوقائع التاريخية غير الرسمية التي لا يمكن تدوينها إلا من خلال تتبعها باسترجاع ذاكرة من عاشوها. ولكن تبقى قضية الذاكرة، ودقة المعلومات التي تقدمها معيقًا في وجه اعتمادها كمصدر للتأريخ الاجتماعي، حيث تبقى عرضة لانتقائية الراوي، ولسيطرة عواطفه وانطباعاته الشخصية عن الأحداث.

وقد يكون استعراض ذكريات معينة دون غيرها، محاولة لمقاومة سرديات أخرى يعارضها الكاتب، كما قد يكون فيها ميل لتمجيد أشخاص معينين، وتحقير آخرين، بناء على ما تستحضره الذاكرة من مواقف. كما تبقى المذكرات المعدة للنشر عرضة لميل الكاتب للتحفظ في ذكر بعض القضايا والأسماء التي قد يثير ذكرها إشكالات وخلافات يتم تفاديها بالسكوت عنها.

وبالرغم من المحدوديات التي تواجها المذكرات، إلا أنها تدون الجوانب الاجتماعية والثقافية لبعض الأحداث السياسية الكبرى، بالإضافة إلى العادات الاجتماعية، خاصة في مجتمع النساء، والتي يصعب المعرفة عنها إلا من خلال تتبع المذكرات واليوميات. وتشكل مذكرات عنبرة سلام الخالدي، مصدرًا غنيًا وممتعًا للمعلومات عن المجتمع العربي، وتحديدًا اللبناني، بالرغم من التحفظ على اعتماد بعض التعميمات التي تضعها الكاتبة، خاصة فيما يخص المرأة.


| المراجع

[1] الخالدي، عنبرة.1978. جولة في الذكريات بين لبنان وفلسطين. بيروت: دار النهار للنشر.