بنفسج

إرث عباسي في الرملة: ماذا تعرف عن بركة العنزية؟

الخميس 11 نوفمبر

مكان ارتبط به التاريخ العباسي، والتصقت به رائحتهم ورائحة حضارتهم بهذا المكان، وتركوا أثرًا يحاكي في بنائه كل معاني الإبداع والمتانة، وهو ما ميّزَ حضارة الإسلام؛ فأينما حلت ووطئت تركت بصمات مميزة، وها هنا في مدينة الرملة الجميلة، نرى أثرًا نابضًا بالحياة؛ أوليس من الماء يخلق كل شيء حي! تلك إذًا بركة العنزية التي كانت وما زالت تحفة فنية متوارية تحت الأرض. تقع بركة العنزية في منتصف السهل الفلسطيني، وبالتحديد إلى الشمال الغربي من مدينة الرملة، المدينة التي فتحت أعين المحتلين عليها لأهميتها الجغرافية ولوفرة إنتاجها الزراعي والصناعي، عدا عن غناها بالآثار الراسخة منذ القدم.

| بركة مذهلة

بركة العنزية.jpg
بركة العنزية

في مجمع تحت الأرض حُفرت هنالك بركة حملت معها حكاية بانيها، بركة بعمارة مذهلة تسلب الألباب، عُمرت في العصر العباسي، تحديدًا في عام (172هـ/ 789م) وقد كان آنذاك هارون الرشيد خليفة، أي قبل (1250 سنة)، شُيدت البركة بطريقة هندسية جمعت بين القوة والجمال بنفس الوقت، حيث حملت إشارة قوية على مدى قدرة العمارة الإسلامية آنذاك على إيجاد حلول مناسبة لمواجهة الظروف البيئية والجغرافية الصعبة التي كانت تمر بها المنطقة، مما جعل بناء البركة متين في وجه تحديات الطبيعة، ومما جعلها تحتفظ بجماليتها وشكلها دون تغير منذ ذلك الحين.

(1250) سنة مضت عليها دون أن يخدش شيئًا من جماليتها أو يهز أساساتها! بركة العنزية، هكذا يُطلق عليها، أما الهدف منها فكان لخزن مياه الأمطار التي تنساب إليها، وكذلك لخزن المياه القادمة لها من منطقة تل أبو شوشة؛ وبالتالي يُستفاد منها وقت الحاجة. كأي معلم تاريخي عريق تعددت التسميات، وكل تسمية حملت في طياتها رواية وسببًا، فسُميت "بركة العنزية" باسمها هذا - وهو الأكثر تداولًا-  لأنها كانت تروي المواشي والماعز، أما تسميتها باسم "بركة الخيزران"، وذلك تيمنًا باسم والدة الخليفة هارون الرشيد، حيث كانت تنفق الأموال الكثيرة في أعمال البر والعمران.

ابو شوشة.jpg
منطقة تل أبو شوشة

 وقد بنت العديد من البرك والصهاريج والمنشآت المائية، وكذلك سُميت "ببركة هيلانة"، وذلك باعتقاد من الصليبيين أن الإمبراطورة هيلانة هي التي أمرت ببنائها وإقامتها، وبالتالي فهذه التسمية مرتبطة بالحروب الصليبية التي احتلت الرملة لفترة طويلة، أما تسميتها "ببركة الأقواس" فهي تسمية إسرائيلية، وذلك لكثرة الأقواس فيها.

البركة.jpg
بركة العنزية

ومن الناحية العمرانية فالبركة تبلغ مساحتها (500) متر مربع، وارتفاعها (9) أمتار، وسعتها (4500) مترًا مكعبًا، ذات شكل مربع غير منتظم، تتكون من أربعة جدران قوية مبنية من الحجارة المنتظمة المداميك واللحامات، وتغشاها من الداخل طبقة سميكة من الإسمنت، إضافة إلى كتابة تاريخية تحمل اسم أمير المؤمنين، ومؤرخة يوم (172هـ/789م)، كما ويوجد درج في الركن الشمالي الشرقي للبركة يهبط من الخارج إلى الداخل، وتوجد (24) فتحة علوية، أبعاد كل منها (55×55) سم، تُسحب المياه منها بواسطة استخدام الدلاء.

بركة العنزية8.webp
بركة العنزية

استعملت هذه البركة حتى عام (1068م) ثم دمر زلزال محيط البركة وأصبحت خارج نطاق المدينة ليتم  -للأسف- الاستغناء عنها، ثم عولجت البركة في فترة الانتداب البريطاني، فجاء الاحتلال الإسرائيلي، وحاولت سلطاته السيطرة على هذا المكان مرارًا، وما زالت محاولات الاحتلال بالسيطرة على هذه البركة قائمة، ولعل النقش الموجود فيها -والذي حوى معلومات عن تاريخ إقامتها ومن أمر ببنائها- تجعل من إمكانية تحويلها لتاريخ يهودي صعب المنال، لذلك آثرت سلطات الاحتلال تحويل المكان عام (1960م) لمعلم سياحي أثري يجذب إليه السياحة الداخلية والخارجية، كما وتدفع رسوم لدخوله، يتجول السياح فيها بواسطة قوارب صغيرة بعد أن يتم ملء ثلث البركة بالماء.

بركة العنزية3.jpg
بركة العنزية

كم هو مدهش أن أمة قد خلت مثل بنو العباس قبل أكثر من ألف سنة، وما زال أثرهم الوحيد في فلسطين يُذكر بهم، وكأنه إذ توارى عن شعاع الشمس يقول لنا: "أن هذه الأرض لله يورثها من يشاء ويبقى الأثر".


[1]  مصطفى مراد الدباغ، بلادنا فلسطين، جزء /4، قسم 2/، 1991م.

[2]  حامد الخطيب، قصة مدينة الرملة.

[3]  محمد شراب، معجم بلدان فلسطين، 1987م.

[4]  مجلة كلية التربية الأساسية للعلوم التربوية والإنسانية/ جامعة بابل، 2018م.

[5]  إبراهيم نعمة الله، الرملة في أواخر العهد العثماني، 2004م.

[6]  التراث الفلسطيني، 2019م.