بنفسج

في سير وتراجم النساء: بعض ما أوردته حضارتنا "2"

الإثنين 08 نوفمبر

نتلمّسُ جوانب التّاريخ، تِلك المشاهد، الصّور، الملامِح والآيات، نتمسّك بأهداب القَصَص كالتماس الطّفل الأمان في جنبِ والدته، نُفتّش عن أشباهِنا بين السّطور، يُهدينا بعضها السّلوى، وتسري أخرى في مسام الجلد فيتنفّسها بصعوبةٍ بالغة، ومن المزيجِ يتوارى الجهلُ شيئًا فشيئًا وتتشكّل ملامح الذّات، فكلّ لقطةٍ من لقطات حياتِنا لها في الكتاب مخرجٌ، وكلّ حيرةٍ وفكرة لها في آيةٍ جواب واسترسال، تاريخ حافلٌ ساهمت في بناء حضارته الرجال وكذا النّساء دون تهميشِ، بعضهنّ تولّيْن مقاليد السلطة إرثًا، وأخريات أقدمن عليها استيلاءً بقتل الورثة.

 البعضُ برَزْن في العلوم والأدب والطبّ والفلسفة والريّاضيّات... وأخريات أثبتن شجاعتهنّ في المعارك، وحِنكتهنّ في إدارة الأزمات، وتنظيم الاستراتيجيات الحربية. منهنّ من خُلّدت انتصاراتها في سِجلاّت التّاريخ ومنهنّ من تعرّضت لفشلٍ ذريعٍ، لكنهنّ استطعن إثبات قدرتهنّ على المشاركة الفاعلة في المُجتمع المدنيّ، وشجاعتهنّ وحكمتهنّ، دهاءهنّ ورجاحة عقلهنّ، مهما كانت النتيجة في النّهاية. فأن تُقدم الواحدة منهنّ على اقتحام الساحات وخوض المنافسةِ وحَمل راية التغيير على عاتقها -مهما كان المجال الذي تستهدفه.

ويعد ذلك في حدّ ذاته إنجازٌ يُحسب لها، خصوصًا في تلك الفترات التي لم تكن النّساء يتمتّعن فيها بنفس الحريّات التي يمتلكنها الآن، حين كان مجرّد الخروج من الفضاء الموكول إليهنّ داخل حيّزٍ منزليّ مغلقٍ مجازفةً تتطلّب الكثير من الشّجاعة والإصرار والثّبات، والبحثُ في سِيَر أمثالهنّ، والنّظر في أحوالهنّ، يساعدنا لكي لا نفقد البوصلة، وحتّى لا يُقعدنا أحد عن المشاركة في المجتمع والسّعي خلف آمالنا، وهنا، سأعرض بعض النماذج النسائيّة المستوحاة من القَصص القرآني والسيرة النبويّة والتّاريخ الإسلامي.

| من وحي القرآن

| آسيا زوجة فرعون

آسيا.jpg

نموذج المرأة الزّاهدة في زينة الدّنيا وبهرجة القصور والنّعيم والجاه، التي غضّت الطّرف عن مجد زوجها، ووجّهت وجهها لله وحده، فلم يصدّها عنه طوفان الكفر الذي عاشت فيه، ولا أغراها ملك فرعون الذي لم يُدانيه ملكٌ ولا أرهبها بغيُه واستبداده، فاستحقّت أن تخلّد كمثلٍ راسخٍ للإيمان رغم ما لقيته من ظًلمٍ {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ}، فكانت ذات بصيرة نافذة إلى جانب الحكمة وجمال العقل، وعن النبيّ عليه الصّلاة والسّلام قال: "خيرُ نساءِ العالمينَ أربعٌ: مريمُ بنتُ عمرانَ، وآسيةُ بنتُ مزاحمٍ امرأةُ فرعونَ، وخديجةُ بنتُ خويلدٍ، وفاطمةُ بنتُ محمدٍ".

| ملكة سبأ

ملكة سبا.jpg

إن تأمّلت قصّة ملكة سبأ ستجد في كلّ سطرٍ من سطور القرآن ثناءً عليها، بداية من إنجازاتها وما حقّقته من وفرةٍ ورخاءٍ لشعبها، وما ذلك إلاّ نتيجة إدارةٍ موفّقة وناجحة لبلادها، وهذا ما جاء على لسان الهُدهد في قوله تعالى: {إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ}، ثمّ موضوعيّتها ونزاهتها في وصف كتاب سليمان عليه السّلام: {قَالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلأُ إني أُلْقِيَ إِليَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ* إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ* أَلاَّ تَعْلُواْ عَليَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ}، دقّة وإيجاز وأمانة في الوصف!

وهُنا تبرز شفافيّتها في الحُكم، كما تتجلّى شخصيّتها الشوريّة الصادقة وحُكمها المبني على ديمقراطيّة حقيقيّة لا شكليّة صوريّة: {قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ}. كما كانت رزينةً ذات فكرٍ مستضيءٍ بنور السنن الإلهيّة في التاريخ البشريّ: {قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ}، حصيفةً، دبلوماسيّة، مباشرة، حكيمة اختارت الإذعان للإسلام، فأقرّت به حكمًا وقاضيًا ودينًا لها ولقومها.

| زينب بنتُ جحش

زينب.jpg

امرأة صناعٌ، ونموذج المرأة العابدة الورِعَة حتّى أنّ النبيّ وصفها بالأوّاهة في قوله لسيّدنا عُمر: "إِنَّ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أَوَّاهَةٌ"، نكحها النبيّ بأمر من الله عزّ وجلّ: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا}، ليكون زواجه منها حُكمًا للمؤمنين من بعده {لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ}، وكانت رضي الله عنها كثيرة الصّدقة، تُسامي عائشة ابنة الصديق في الجمال والحظوة، تعملُ بيديها، فتدبغ وتخرز وتغزل الغزل وتتصدّق به في سبيل الله.

 وعن عائشة رضي الله عنها: أن بعض أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-قُلن للنبي: أيّنا أسرع بك لحوقًا؟ قال: "أطولكنّ يدًا" فأخذوا قَصَبة يذرعونها، فكانت سَوْدة أطولهن يدًا، فعلمنا بعد: إنّما كانت طول يدها بالصّدقة، وكانت أسرعنا لحوقًا به. وقد وصفتها عائشة -رضي الله عنها-فقالت: "وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم-ولم أرَ امرأة قط خيرًا في الدّين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثًا، وأوصل للرّحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالًا لنفسها في العمل الذي تصدق به، وتقرَّب به إلى الله تعالى...".

| من هَدي السنّة

| السيّدة خديجة بنتُ خويلد

خديجة.jpg

التاجرة اللبيبة، أكثرُ قوم قريش مالاً وأعظمهنّ شرفًا، التي موّلت الدعوة الإسلاميّة في مراحلها الأولى، وتابعت مسيرة رعاية تجارتها بنفسها حين تفرّغ النبيّ لتلقّي الوحي بغار حراء، ثمّ لم يسئها ترك الفراش الوثير والعيش الرغيد خلفها، والخروج إلى جانب زوجها تعاني القرّ والحرّ، وضنك العيش في سنوات الحصار وهي التي لم تعتد عليه، لتتابع مساندتها للدّعوة والبذل من نفسها، ودعمها لزوجها بعد أن تجرّدت من الجاه والمال، فكان –عليه الصّلاة والسّلام-لا يفتأ يعدّ فضائلها عليه، ويقول: "آمنتْ بي إذ كَفَر بي الناس، وصدقتني إذ كذّبني الناس، وواستني بمالها إذ حَرَمني الناس".

عائشة بنت أبي بكر: كانت -رضي الله عنها-أكثر النّساء فقهًا وعِلمًا، ومن أفضل علماء الصّحابة، حتّى أنّ أصحاب الرّسول -عليه الصّلاة والسّلام-كانوا يستفتونها فتُفتيهم، عن القاسم بن محمد قال: "كانت عائشةُ قد استقلَّت بالفتوى في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، وهلم جرًّا، إلى أن ماتت يرحمها الله، وكنتُ ملازمًا لها مع برِّها بي، وكنت أجالس البحر ابن عباس، وقد جلستُ مع أبي هريرة وابن عمر فأكثرتُ..."، ولم تكتفِ -رضي الله عنها-بنقل ما عرَفَت من النبي -عليه الصّلاة والسّلام-، وإنما كانت تجتهدُ في استنباط الأحكام إن لم تجد للمسائل حُكمًا من القرآن والسنّة، فإن لم تتوصّل لحُكمٍ أحالت المسألة لغيرها. كما كانت -رضي الله عنها-من أفصح الناس وأكثرهم فهمًا وحفظًا وقد رُوي عنها نحو (2210 حديثًا)، ملمّة بالشّعر والطبّ وغيرها من العلوم.

| رُفيدة بنت سعد (رفيدة الأسلمية)

رفيدة.jpg

كانت -رضي الله عنها-أوّل ممرّضة في التاريخ العربي والإسلامي، وبرعت إلى جانب هذا في القراءة والكتابة، بالإضافة إلى أنّها عملت كأخصائيّة اجتماعيّة تعالج المشاكل النفسيّة للجنود بعد الغزوات، ولشدّة ما استهوتها حِرفة التمريض والجراحة راحت تُنفق على عملها هذا من حُرِّ مالها فقد كانت ذات ثروة واسعة، وظهرت خيمتُها كأوّل مشفى ميداني بداية في غزوة أُحد، ثمّ رافقت النبيّ في غزواته، فشهدت غزوتيْ الخندق وخَيْبر، ولم تتوقّف عند هذا، بل نقلت عِلمها إلى النّساء من حولها ودرّبتهنّ ليُصبحن ممرّضات يساعِدْنها في رعاية المرضى، ومن بينهنّ السيّدة عائشة رضي الله عنها. ولبراعتها، أمر النبيّ بأن تُقام لها خيمة خاصّة في المسجد النبويّ كمستشفى لعلاج المرضى والمُصابين.

| الشِّفَاء بنت عَبد الله العَدَوَّية

الشفاء.jpg

اسمها "ليلى"، واشتهرت برجاحة عقلها وحُبّها للعلم، وانكبابها عليه، ومن النّساء اللواتي أسلمن قبل الهجرة، ولُقّبت بالشّفاء لكونها بَرعت في الطبّ والرُّقية، فكانت ترقي في الجاهليّة من داءٍ يُسمّى "النّملة"، وهو مرضٌ جلديّ يصيب الإنسان في جنبه بقروح يشعر معها وكأن نملة تدب على جسده وتعضه، ثمّ امتنعت عن ذلك بعد إسلامها، حتّى أذِن لها الرّسول -عليه الصّلاة والسّلام-بذلك بعدما استعرضتها عليه، ويُروى عنها أنّها قالت: "دَخَلَ عَلَيّ النّبيّ -صلى الله عليه وسلم-وَأَنَا عِنْدَ حَفْصَةَ (زوجة النبيّ) فقال لِي: ألاَ تُعَلّمِينَ هَذِهِ -يعني حفصة-رُقْيَةَ النّمْلَةِ كَمَا عَلّمْتِيها الْكِتَابَةَ"، وإلى جانب الطبّ برعت الشّفاء في الكتابة منذُ الجاهليّة، فتتلمذت على يديها الكثير من الصحابيّات وعلى رأسهنّ حفصة -رضوان الله عليها-زوجة النبيّ، وكانت بذلك أوّل معلّمة في الإسلام.

إنّ كلّ شخصيّةٍ من الشخصيّات النسائيّة المذكورة، سواء في القَصَصِ القرآنيّ أو السّيرة النبويّة، من ما ذكرت ومِن مَن لم أذكُر، شخصيّات ذات ملمحٍ إيجابيّ، أو حتّى سلبيّ أمثال امرأة العزيز وزوجات الأنبياء نوح ولوط، نماذج لا يُمكننا غضُّ الطّرفِ عنها، لأنّها سِيَرٌ تربويّة، فيها من القيم الوُجدانيّة الدينيّة التي تأسِر العقل والوُجدان، والتي تُعين على إعادة صياغةِ الأخلاق والتصوّرات وفق تيار الشخصيّة الإسلاميّة، وكذلك إلقاء نظرةٍ على وظائف المرأة وخصائصها وطبيعة عملها خارج الأسرة.