بنفسج

طفلي يقول أنا أكرهك: ماذا أجيب وكيف أتصرف؟

الثلاثاء 11 يناير

يمرّ جميع أطفالنا بمواقف صعبة، وبلحظات انفعالية، ويختبرون مشاعر أصعب وأكبر منهم على مدار اليوم الواحد، وإن عدم قدرتهم على ضبط انفعالاتهم بشكل سليم، والتعبير عن مشاعرهم بشكل مناسب يُمكن أن ينتج عنه ألفاظ نابية أو كلمات جارحة مثل: "أنا لا أحبّكم"، "أنا أكرهك"، "أنتِ أمّ سيئة"، "أنت أبٌ قاسٍ". ومثل هذه الألفاظ تُسبب لنا شعورًا بالألم والصدمة، لأننا لا نتخيّل ولا نتوقع ذلك من أطفالنا، أو حتى من طلابنا، فهذه العبارات قد تتردد على مسامع المربّين جميعهم من أهلٍ ومعلّمين. قبل أن نأخذ جملة "أنا أكرهك" على محمل الجدّ ينبغي أن نتوقف قليلًا عند المراحل العمرية:

| المرحلة العمرية من (6 سنوات فما دون)

 
عندما تصدر جملة "أنا أكرهك" من طفلٍ دون سنّ التمييز؛ فهو لا يدرك حقًا معنى هذه الجملة وأبعادها النفسية على الآخرين، فقد يقولها من منطلق التكرار والتقليد لما قد سمعه، أو قد يقولها فعلًا في موقف غضب وانفعال شديدين، تعبيرًا عن مشاعر الغضب والاستياء تجاه موقف أو لحظة ما.  والأطفال دون سن الست سنوات لا يزالون في طور الاكتشاف ومحاولة التمييز بين ما هو صحيح ومناسب ومقبول وبين ما هو عكس ذلك!

عندما تصدر جملة "أنا أكرهك" من طفلٍ دون سنّ التمييز؛ فهو لا يدرك حقًا معنى هذه الجملة وأبعادها النفسية على الآخرين، فقد يقولها من منطلق التكرار والتقليد لما قد سمعه، أو قد يقولها فعلًا في موقف غضب وانفعال شديدين، تعبيرًا عن مشاعر الغضب والاستياء تجاه موقف أو لحظة ما. والطفل في هذه الحالة ما زال يختبر مشاعره بمختلف أشكالها، وما زال يُطوّر من كلماته وتعبيراته اللغوية، فكما يقول مارك توين: "إنّ الفرق بين كلمة وأخرى يكمن في اختيار الكلمة المناسبة في المكان المناسب"، والأطفال دون سن الست سنوات لا يزالون في طور الاكتشاف ومحاولة التمييز بين ما هو صحيح ومناسب ومقبول وبين ما هو عكس ذلك! ونوضّح هنا 3 أسباب قد تدفع الطفل إلى استخدام الألفاظ الجارحة مع والديه/ معلّميه:

| جس نبض الكبار على كلماته: التقليد والتكرار واختبار ردة فعل البالغين تجاه هذه الجملة.

| محدودية قدرتهم على التعبير: قدرة الأطفال محدودة في التعبير عن مشاعرهم واختيار الكلمات المناسبة والمعبّرة، فهم لا يزالون في طور نموّهم وتطوّرهم اللغوي، لذا قد يخونهم التعبير عن مشاعرهم، وعمّا يدور في دواخلهم. فبدلًا من قول: أنا مُستاء"، "أنا مُنزعج منك!"، "أنا لا أرغب بفعل ذلك الآن!"، "أنا أشعر بالغضب الشديد"، يقول: "أنا أكرهك"، "أنا لا أحبّك". وقد يُصاحب ذلك بعض الركلات لك أو للحائط أو الأرض.

| الطفل يعبر بطريقته: يُرسل الطفل لنا رسائل وإشارات من خلال كلماته وسلوكه، وكأنه يقول لك: أنا أريدك وأحتاجك في هذه اللحظة تحديدًا! أحتاج احتواءك وتفهّمك لمشاعري ومساعدتك لي على إدارتها وتوجيهها بالشكل الصحيح، ولذلك نقول دائمًا "السلوك شكل من أشكال التواصل".

| المرحلة العمرية من (6 – 10 سنوات)

لكره1.gif

في هذه المرحلة العمرية قد تصدر الألفاظ الجارحة من طفلك في مواقف يختبر فيها مشاعر غضب شديدة، أو مشاعر استياء وإحباط وفقدان سيطرة نتيجة ضغوطات يتعرض لها؛ مثل كثرة المهمات والأوامر، أو نتيجة رفض أحد الوالدين لشيء يريد الطفل فعله، في هذه الحالة من المهمّ الحفاظ على الهدوء وعدم الجدال مع الطفل والردّ عليه بكلام جارح، ومن المهم أيضًا أن تُظهر التعاطف لطفلك في الموقف ذاته، وأن تحاول تفهّمه، وإن كان لاحقًا، ومن المناسب الجلوس والحديث عن كيفية التعامل مع الغضب والانفعالات.

 وما هي الطريقة المناسبة واللبقة للتعبير عن مشاعر الغضب والاستياء وخيبة الأمل وغيرها. تقول عالمة النفس روبن جودمان: "عندما يقول ولدك لك بأنه يكرهك، فإنّه يعبّر عن مشاعره من الموقف، ولا يصف مشاعره تجاهك أنت". فعندما يقول لك: "أنا أكرهك!"؛ هو في الحقيقة يقول لك: "أنا منزعج ومستاء لأنك لم تسمح لي بالذهاب إلى رحلة المدرسة".

| المرحلة العمرية من (10 فما فوق)

الكره4.png

في هذه المرحلة العمرية قد يستخدم الأولاد في مرحلة المراهقة الألفاظ الجارحة تعبيرًا عن رفضهم للقرارات العائلية، أو إنزعاجهم من القواعد والحدود المنزلية، وشعورهم بالظلم من موقف ما، أو رغبتهم بالحصول على السلطة من خلال إظهار محاولتهم أو قدرتهم على السيطرة من خلال الكلمات الجارحة والمؤذية، من المهم أن لا نفقد السيطرة، وأن نتمالك أنفسنا، ونحاول احتواء الموقف، يمكن أن نقول: "يمكننا الحديث عندما تهدأ"، "عندما تشعر بأنك قادر على الحديث يمكننا أن نتحدث ونناقش الأمر معًا"، "أنا أنتظرك في الصالة، لتهدأ ونتحدث بعدها".

في مثل هذه المواقف قد تكون ردّة فعل المربي بالانسحاب، أو تحقيق ما يريده الطفل، أو تعنيف الطفل ومعاقبته، لكن علينا أن نُدرك أنّ اللحظات الصعبة والانفعالية هي دائمًا لحظات لبناء جسور التواصل ولحظات احتواء وتقرّب من الطفل، وليست لحظات انسحاب وعقاب وتجاهل! كيف علينا أن نتعامل مع أطفالنا إذا تلفّظوا بألفاظ مؤذية وجارحة مثل قولهم: "أنا أكرهك!"؟
نقترح لكم 5 أدوات ووسائل تربويّة وفعّالة تُساعدكم وأطفالكم في هذا الموقف:

| أولًا: حافظ على هدوئك

قد يبدو من الصعب في مثل هذا الموقف أن نحافظ على هدوء أعصابنا، وبالعادة، كلّما زادت حدّة السلوك قلّت قدرتنا على الصبر والهدوء، لكن هذا الموقف من المواقف التربوية التي تحتاج الهدوء والاحتواء حتى يتم التعامل بالشكل المناسب لاحقًا، لذلك تجنّبوا التصعيد من خلال الصراخ، أو بالردّ وتبادل الكلام أو العقاب. كل ذلك لن يُجدي، بل سيجعل الطفل يثور أكثر، وقد يكرّر الجملة مرات أخرى. لذلك لا تأخذ الأمر بشكل شخصيّ ومقصود! الهدوء سيجعلك تفكّر وسيساعدك لمعرفة وفهم لماذا تلفّظ طفلك بهذا اللفظ.

| ثانيًا: ساعد طفلك

هذا الموقف المناسب لمساعدة وتمكين طفلك لإيجاد التعبير، واللفظ المناسب، ليُعبّر عن غضبه ويُهذّب انفعالاته ويُنظّم مشاعره، ويمكن اقتراح بعض العبارات والكلمات أو الأفعال المناسبة من خلال سيناريو وحوار بين الطفل والمربّي. وفي هذا الموقف لا بدّ أن يتعلّم الطفل ما هو المقبول وما هو المرفوض. لا بأس بمشاعر الغضب، فهي مقبولة، لكن السلوك اللفظي بقول "أنا أكرهك" غير مقبول، ودائمًا يوجد بدائل أفضل.

| ثالثًا: تواصل مع طفلك

قبل توجيه طفلك انزل إلى مستواه وانظر إليه وقلْ له: أنا أحبّك! أظهر لطفلك التفهّم لمشاعره والتعاطف معه من خلال قولك: "أنا أعلم أنك منزعج مني لأنني .."، "يبدو أنك تشعر بالغضب الشديد لأنني...". هدوؤك سينعكس على طفلك، وكذلك مشاعرك، وهذا بحدّ ذاته (موقف تعلّم) يتعلّم منه الطفل ما هو الصحيح والصواب في التعامل وحلّ المشكلات.

| رابعًا: استخدم دستور العائلة

بإمكانك استخدام هذه الأداة والوسيلة التربوية الفعّالة من خلال وضع قواعد وخطوط عامة لجميع أفراد العائلة للتعامل مع بعضهم، ويُمكن تسميته بدستور العائلة، أو قواعد المنزل، أو أيّ تسمية تناسب العائلة، ويفضّل أن يشارك جميع أفراد العائلة بوضع الدستور والقواعد، والاتفاق عليها، والالتزام بها، فمن خلال دستور العائلة يُمكننا أن نقول أنّنا في عائلتنا وفي بيتنا: لا نستخدم الكلمات الجارحة والألفاظ النابية في التعامل مع بعضنا البعض، ونُذكّر العائلة بأن هناك دائمًا خيارات أفضل وأنسب.

| خامسًا: اقرأ قصّة لطفلك

نعلم كم أنّ القصة تجذب الأطفال، وكم أنّ للقصة أثر باق في نفوسهم، وأنها أداة تربوية فعّالة تسلّي وتُوجّه وتُرشد وتُعلّم الأطفال، وارتباطًا مع موضوع المقال وجدت أنه من المناسب أن أقترح وأُرشّح لكم قصّة (الكلمات ليست للتجريح)
Words Are Not for Hurting، حيث تحتوي الكثير من المواقف والسيناريوهات التي من خلالها يمكن أن يتعرّف، ويتعلّم الطفل ما هي الكلمات والألفاظ المناسبة لكل موقف، وكيف بإمكانه القدرة على ضبط انفعالاته والتحكّم بها، بحيث لا يُجرّح ولا يُعنّف ولا يُؤذي الآخرين.

هل هذا يعني أن مشاعر الكراهية دائمًا غير حقيقية وعابرة؟ بالتأكيد لا، في بعض الأحيان تكون جملة "أنا أكرهك!" حقيقية ومقصودة وتعبر عن مشاعر الطفل تجاه والديه أو معلّميه، وهذا بالتأكيد يتأثر بعامل البيئة التي يتواجد الطفل فيها، فقد تكون البيئة غير صحّية وغير آمنة نفسيًا على الطفل.

ناقشنا بعض المواقف التي تكون فيها الكلمات الجارحة عارضًا ويزول بزوال الموقف، أو بتجاوز مرحلة عمرية ما، لكن هل هذا يعني أن مشاعر الكراهية دائمًا غير حقيقية وعابرة؟ بالتأكيد لا، في بعض الأحيان تكون جملة "أنا أكرهك!" حقيقية ومقصودة وتعبر عن مشاعر الطفل تجاه والديه أو معلّميه، وهذا بالتأكيد يتأثر بعامل البيئة التي يتواجد الطفل فيها، فقد تكون البيئة غير صحّية وغير آمنة نفسيًا على الطفل، ففي حال غياب الاستقرار الأسري وتعرّض الأمّ لسوء المعاملة، أو تعرّض الطفل للتعنيف الجسدي واللفظي المباشر والمتكرر، نجد أن هذه المواقف تولّد مشاعر الكراهية، والتي تزداد بازدياد سوء المعاملة والمواقف الصعبة التي يمرّ بها الطفل أو أفراد العائلة، وفي هذه الحالة ننصح باللجوء إلى مستشار أسري ومُختصّ نفسي إن اقتضى الأمر ذلك.