بنفسج

القوامة في الإسلام: اتجاهات إعادة قراءة المفهوم في الفكر العربي المعاصر

الخميس 25 نوفمبر

يُعتبر مفهوم القوامة أحد أكثر المفاهيم مركزية في فهم مكانة المرأة في الإسلام، وقد اختلفت قراءات المفهوم باختلاف السياق الاجتماعي والسياسي للمجتمع الإسلامي منذ عصر النبوة  حتى وقتنا الحالي، ففي عصر النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- نزلت جميع النصوص الشرعية التي تدعو إلى إعطاء المرأة حقوقًا عديدة لم تكن قبل الإسلام موجودة. فيما بعد تغّير حال المرأة بين التضييق والتوسيع في الحضارة الإسلامية بحسب العديد من السياقات المختلفة تأثرًا بالحضارات المجاورة، أو عودة إلى الجاهلية القديمة، أو إعادة قراءة الإسلام بطريقة أخرى اختلفت حسب اختلاف الزمان والمكان.

قوامة-02.png

أحد أهم ميزات المجتمع الإنساني بشكل عام هو قدرته على إنتاج رؤى وقيم جديدة على الدوام؛ مع تغيّر الظروف والأوضاع، ومع صعود الحركات الإسلامية في العالم العربي منذ الثمانينيات، ومع التنوع واختلاف الرؤى داخل الحركات الإسلامية نفسها. ولمّا كانت المرأة حجر الأساس في المجتمع، كانت قضاياها من أكثر القضايا الملحّة في العالم العربي. توازى مع هذا الصعود بدايات دعوات إسلامية من مسلمات أوروبيات، ومن مسلمات في إيران بضرورة إعادة فهم الخطاب الديني الخاص بالمرأة بشكل آخر. تزامن مع هذه التغييرات انتشار النسوية حول العالم بموجاتها الثلاث، وباختلاف خصائصها وآثارها وامتداد هذا الأثر من الغرب حيث الانطلاق إلى العالم أجمع.

نشأ، وتصاعد خطاب إعادة إنتاج النظر لقضايا المرأة بسرعة كبيرة؛ نتيجة حاجة المجتمعات إليها، وصعود عام لخطابات التجديد  الديني. وبلا شك، فإن خطاب المرأة يشكّل أساسًا فيها، وقد شهدت هذه المرحلة أيضًا تراجع  الحركات العلمانية والاشتراكية في العالم العربي  لصالح الحركات الإسلامية، فكان هذا مؤشرًا آخر لضرورة ملأ هذا الفراغ بما يناسب الواقع.

| مفهوم القوامة: اتجاهات عامة لإعادة إنتاج المفهوم

قوامة-01.png

برزت بسبب مركزية هذا المفهوم -مفهوم القوامة- اتجاهات/توجهات عديدة لإعادة قراءته ضمن إطار خطابات التجديد  الديني، كل منها يحاول تفسير النصوص الشرعية أو تأويلها بطريقة مغايرة تفضي إلى نتائج مختلفة. فلم تكن النسوية الإسلامية الوحيدة التي حاولت إعادة قراءة وضع المرأة ومكانتها قراءة جديدة، بل كانت الحركات الإسلامية، وبسبب حاجتها لمواجهة الحركات العلمانية بحاجة لفعل ذلك أيضًا، أضف إلى ذلك ازدياد الموجات التغريبية نحو الشرق  الأوسط ومحاولات إسقاط الوضع الغربي على المسلمين، بما في ذلك وضع المرأة. في سياق آخر مختلف، كانت هناك بعد الدعوات لإعادة قراءة المفهوم وفق إطار آخر؛ وهو مناهج العلوم الإنسانية الحديثة، ومنها دراسات الجندر (النوع الاجتماعي)، ومحاولة الاعتماد عليها في محاولة إنتاج قراءة جديدة للنصوص الشرعية الإسلامية.

يمكن تقسيم هذه القراءات في إطارين أساسيين؛ أولًا قراءة المفهوم ضمن إطار الإسلام بشكل عام وكيف نظر إلى المرأة والرجل، ومركزية مفاهيم التوحيد والاستخلاف المشترك، والإطار الآخر، فهو إعادة قراءة المفهوم ضمن رؤية كلية تدرس الإسلام بالاستناد إلى مناهج العلوم الإنسانية الحديثة، ومحاولات الأخذ بعين الاعتبار  مفاهيم الجندر المعاصرة التي من الممكن أن تقديم رؤية أو طريقة جديدة للنظر إلى قضايا المرأة في الإسلام [1].

قوامة-04.png

يبدأ الحديث عن القوامة في الفكر الإسلامي المعاصر من نقطة أولية مهمة، وهي أن أوضاع المرأة في العالم العربي سيئة للغاية، وأن المرأة تعاني من هضم وضياع لأبسط حقوقها، وأن هذه الأوضاع تنافي تمامًا ما دعا إليه الإسلام، ويمكن اعتبار أن هذه النقطة متفق عليها عند الأغلبية العظمى حتى من الناقدين للفكر النسوي الإسلامي[2]، وفي هذا السياق توجد العديد من الكتابات لمفكري الحركات الإسلامية، والتي تحاول أن ترفع الظلم عن المرأة بإعادة شرح الإسلام، وتسليط الضوء على الحقوق التي ينبغي للمرأة أن تأخذها، من ذلك كتاب الممرأة بين القرآن وواقع المسلمين لراشد الغنوشي، وقضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة لمحمد الغزالي،  وآراء جاسم سلطان، حول إعادة فهم السنة النبوية وتحقيقها في موضوع المرأة بحسب ما يتوافق مع القرآن أولًا، وغيرهم من كتّاب ومفكري الحركات الإسلامية.

قوامة-03.png

جدير بالذكر أن هذه الكتابات كانت في إطار نشر أفكار الحركة الإسلامية في المجتمعات، وبالتالي، فإعادة القراءة تعني نشر هذه الأفكار بين النساء، وكذلك الإيمان بضرورة رفع الظلم عن المرأة لمركزية دورها في التربية والتنشئة، فمعظم هذه الكتابات تدعو إلى إعادة تقييم وتحسين أوضاع المرأة ضمن الإطار المجتمعي الحالي، ولكن بشروط أفضل.

أما الكتابات التي حاولت إعادة تقييم وضع المرأة بإعادة قراءة الإسلام قراءة تعتمد على مناهج العلوم الإنسانية الغربية الحديثة، فقد كانت أقل انتشارًا في العالم العربي، وغالبًا ما أتت من خارج الحركات الإسلامية التنظيمية لعدة اعتبارات؛ منها حاجة الحركات الإسلامية التنظيمية إلى قبول المجتمع وعدم مصادمته في بعض الأحيان ليتلائم هذا مع الجذب السياسي للحركات، وكذلك نشوء العديد من هذه الأفكار ضمن إطار مسلمي الغرب في محاولتهم للتعايش مع الغرب، وفهم أسباب انحدار أوضاع المسلمات.

| مفهوم القوامة عند المفكرات والنسويات الإسلاميات 

قوامة-06.png

أما في القراءات التي تنطلق منها العديد من النسويات والمفكرات الإسلاميات، فتتلخص في أن دعوتهن لإعادة قراءة الإسلام قراءة جديدة لا تعني ادعاءهن للاجتهاد المطلق، ولا تعني عدم قبولهن بالميراث الفقهي كاملًا، بل إن في غالب هؤلاء المفكرات يتمتعن بخلفية شرعية واجتماعية وثقافية وسياسية تجعلهنّ مفكرات يردن "تحريك المياه الراكدة"، والدعوة العامة إلى إعادة الاجتهاد وفق منطق الشريعة الإسلامية، أو على الأقل إعادة قراءة التراث الإسلامي قراءة جديدة بالاعتماد على المصادر الإسلامية الأساسية الأولية، وكذلك البحث عن المهجور من إسهامات النساء المسلمات العالمات في التراث التي لم تصل أو لم تنتشر لعدة أسباب، أهمها عدم الاهتمام بالموضوع، وتجاهل وجود هؤلاء النسوة ضمن الحضارة الإسلامية[3].

تنطلق إعادة قراءة القوامة قراءة جديدة من منطلق أن مركزية الإسلام في الأصل هي توحيد الله واستخلافه للإنسان بجنسيه -الرجل والمرأة- على الأرض؛ فلم يجعل الله في الدين الإسلامي الاستخلاف خاصًا بالرجل، وقد تعددت النصوص الإسلامية حول الموضوع خاصة في القرآن بأن التفاضل بين الناس هو على أساس التقوى، وأن الإسلام ساوى في هذا بين الرجل والمرأة، وأن مرجعية المسلمين يجب أن تكون القرآن والسنة أولًا.

قوامة-05.png

من ذلك تنفي بعض المفكرات الأبوية عن الإسلام، وترى أن هذا المفهوم بهذه الفكرة هو مفهوم روماني غربي بالكامل، وأن الإسلام لم يضع الرجل أو الأب في هذه السلطة بالمطلق، بل كان هناك دائمًا الحدود لعلاقة الرجل بزوجته وأبنائه، وأن امتلاك الرجل لعائلته فكرة غير موجودة في الإسلام [4]، وكذلك فإن النقطة المركزية الأخرى في الإسلام هي أن الأصل في الأحكام جميعها أنها للرجل والمرأة على السواء، وأن الاستثناء هو ما غير ذلك وما ورد فيه نص، وهذا أصل معروف في الإسلام لم ينكره أحد من الفقهاء والمفسرين حتى الذين فسروا "القوامة" بالسلطة المطلقة [5].

في أحد النقاط المركزية في القراءة المعاصرة؛ هي ربط مفهوم القوامة في الإسلام بمفهوم الشورى، وبأنه يجب قراءة هذا المفهوم بالتواؤم مع مفهوم القوامة باعتبار أن فلسفة الأسرة في الإسلام تقوم على مشابهتها لفلسفة الحكم للأمة جميعها، إذ الشورى ضرورة ولا يقوم الأمر من دونها.

ولذلك فإن إعادة قراءة مفهوم القوامة بنفي فكرة الأبوية عن الإسلام، وبجعل التوحيد والاستخلاف مفهومان مركزيان في الإسلام؛ فإن هذا يعني أن للرجل قوامته في داخل البيت، ولكن بحدود يحدها الإنفاق والمعاملة الحسنة والإحسان إلى أهله. وفي أحد النقاط المركزية في القراءة المعاصرة؛ هي ربط مفهوم القوامة في الإسلام بمفهوم الشورى، وبأنه يجب قراءة هذا المفهوم بالتواؤم مع مفهوم القوامة باعتبار أن فلسفة الأسرة في الإسلام تقوم على مشابهتها لفلسفة الحكم للأمة جميعها، إذ الشورى ضرورة ولا يقوم الأمر من دونها، وبذلك تصبح حدود قوامة الرجل أكثر وضوحًا وأكثر اتساقًا مع المفاهيم الإسلامية على الحقيقة، وأقل ظلمًا وتعديًا على المرأة [6].

| مفهوم القوامة في ضوء السيرة النبوية 

قوامة-09.png

وهناك قراءة أخرى للقوامة تتمثل في اعتبار أن الإسلام حين قام كانت السلطة الأبوية هي المسيطرة، وهذه قراءة مغايرة للقراءة السابقة الذكر، وفي ذلك أن النبي لم يكن نسويًا ولم يكن ذكوريًا، بل أتى لزعزعة النظام الأبوي القائم بإعطاء النساء حقوقهن، حيث جعل السلطة في يد الرجل، ولكن لم يحرم المرأة من حقها في الموافقة عليه، وفي حقها بالمعاملة الحسنة وغير ذلك من الحقوق[7].

قوامة-07.png

هذه القراءة مبنية في الأساس على فهم النصوص النبوية والسيرة أكثر من الارتكاز على النصوص القرآنية فقط، ويلفت النظر إلى أن هذه القراءة تنظر إلى ضرورة قراءة الإسلام ضمن المعارف المعاصرة عن الجندر والنوع الاجتماعي ووضعها ضمن السياق الإسلامي، بينما القراءة السابقة تعتبر أن إعادة قراءة الإسلام صحيحًا سيكون كافيًا وحده لتنال المرأة كامل حقوقها، وتحصل على مكانتها الطبيعية، بجعل المفاهيم المركزية في الإسلام مرة أخرى تنطبق على الرجل والمرأة على حد سواء.

ومن الأبعاد الأخرى التي تم فيها قراءة القوامة بمفهوم آخر هو ربط القوامة مع مفهوم الولاية والاستخلاف بمحاولة فهم السياق الذي وردت فيه هذه الكلمات، وما تحمله من معاني ذات علاقة بطبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة، فكان القراءة مرتكزة على فهم أن الرجل والمرأة كلاهما مأموران بالاستخلاف، وأن القوامة لم تذكر في سياق العلاقة بين الرجل والمرأة فقط، وأن الولاية، والتي ذكرت في عدة سياقات كانت تحمل معنى المساواة بين الرجل والمرأة في الأصل، وبأن هذا الربط سيحمل معنى جديد للقوامة ويجعله أقرب للمساواة بين الرجل والمرأة عن التفسيرات الشائعة للمفهوم [8].

| مفهوم القوامة في ضوء المسلمين في المجتمعات الغربية 

قوامة-10.png

ومن القراءات التي تحاول فهم القوامة في إطار جديد هي محاولة فهم أوضاع العائلة المسلمة في أوروبا حاليًا، والفتاوي التي تحاول الأخذ بعين الاعتبار السياق الاجتماعي الجديد الذي تعيش فيه هذه الأسر، ففي دراسة للينا لارسن عن فتاوى حول الحقوق والواجبات الزوجية [9]، تعرض بعض التغيرات التي تعايشها الأسر المسلمة سواء المهاجرة، أو الأوروبيين الذين يعتنقون الإسلام، وكيف يمكن المواءمة بين الإسلام والقوانين الغربية التي تنحى إلى المساواة في كل شيء حتى الميراث وحقوق الطلاق، بحيث يمكن اعتبار هذه المواضيع في صلب إطار علاقة الرجل بالمرأة في الإسلام ضمن الأسرة.

ورأت أن النساء في بعض الفتاوى ما زلن غير مطالبات بالنفقة على الأسرة، ولكن ينصح المفتيون بمساعدة المرأة لزوجها في حال عملها حيث أن الواقع الاقتصادي والاجتماعي في تلك البلدان مختلف تمامًا، فلا يمكن الاعتماد في الغالب على دخل الرجل فقط، وكذلك فإن حقوق القوامة تتأثر في هذا، بحيث كان للفتاوى اتجاه بإعادة توزيع الأدوار المنزلية في حال عمل المرأة ومساعدتها للرجل في النفقة.

تكمن أهمية دراسة هذه الفتاوي في أنها تعايش واقعًا اجتماعيًا جديدًا للمسلمين، وفي ظل الظروف الحالية في معظم الدول العربية، فإن هذا التحول حاصل، ويزداد من حيث ضرورة عمل المرأة خارج المنزل مثل الرجل لتغطية حاجة الأسرة المادية، ولكن الحاصل في الدول العربية عدم وجود قوانين بإمكانها أن تحمي المرأة في حال العمل، سواء داخل العمل أو في طلبها من زوجها بمشاركته في الأعمال المنزلية، فيصبح عبء المرأة في الدول العربية كبيرًا؛ فهي مطالبة بالعمل داخل المنزل وخارج المنزل، بينما يعمل الرجل خارج المنزل فقط، حيث أن هذا ينفي التفسير الذي يفترض ارتباط القوامة بالنفقة، ويزداد بذلك فجوة اللامساواة حتى في التفسير الإسلامي ذاته.

| القوامة من منظور مناهج دراسة العلوم الإنسانية الغربية 

قوامة-13.png

من القراءات التي حاولت تطبيق مناهج دراسة العلوم الإنسانية على الإسلام ونصوصه الشرعية، والنظر إلى هذه النصوص باعبتارها خطابات ونصوص لغوية، كانت تهدف بالشكل الأساسي لعلاج سياقات اجتماعية وثقافية معاصرة لوقت إنتاجاها، قراءة محمد أبو زيد وقراءة محمد شحرور، والقراءتان كانتا محاولة لإعادة فهم الإسلام، وخاصة النصوص المتعلقة بالمرأة قراءة  معاصرة تأخذ بعين الاعتبار السياق الزماني والمكاني المختلف للنصوص وللواقع الحالي.

يرى نصر أبو زيد أن الواقع الاجتماعي والسياسي المتخلف والمتراجع  في العالم العربي المعاصر، يفرض ضغطًا شديدًا على جميع مناحي الحياة؛ فمن الطبيعي أن يكون الأكثر تأثرًا بتردي الأوضاع الطرف الأضعف وهي المرأة، ويجد لذلك أسبابًا عديدة، منها؛ شيوع التفسير الكلاسيكي عن سلطة الرجل على المرأة، وكذلك انتشار الخطاب السلفي المتشدد الذي يكرس بل ويزيد سوءًا من أوضاع المرأة، والدعوة المتكررة لضبط المرأة في المنزل.

قوامة-14.png

وأن أحد أسباب استمرار هذا الحال هو إشكالية تأويل النصوص الإسلامية بظاهرها دون تجديد التفكير بحسب العلم المعاصر، حيث يجد أن أحد أهم ما يجعل الإسلام صالحًا لكل زمان ومكان هو إمكانية التأويل في كل زمن حسبما يناسبه، والاستعانة بوسائل البحث التي يصل إليها العلم في تلك الفترة، ولذلك يجب التعامل مع النصوص، باعتبارها خطابات، أو نصوص لغوية ذات قوة تغييرية، ومن ثم محاولة فهمها في سياقها التاريخي عند نزول القرآن لمحاولة فهم دلالات المعاني وتأويلها [10].

وحول ازدياد تردي أوضاع المرأة يرى أبو زيد أن تعمق الفجوة بين الحياة المعاصرة وبين استمرار التفكير القديم سيؤدي إلى وقوع المسلمين بالإشكالية التي وقعت فيها المسيحية في العصور الوسطى، والتي وصلت إلى رفض أوروبا في العصر الحالي بشكل مطلق لتدخل الدين في الحياة، لذلك يجب فهم وإعادة فهم أعباء الرجل والمرأة في الإطار المعاصر، ولذلك يرفض أبو زيد اعتبار القوامة مستندة إلى تفضيل إلهي مطلق لجنس الرجال على النساء ويرى أن علة القوامة الأفضلية في القدرة على الإنفاق وتحمل المسؤولية [11].

ومن القراءات المعاصرة التي تحاول إعادة فهم وتأويل القوامة ضمن إعادة قراءة وتأويل النصوص الدينية تأويل معاصر، قراءة محمد شحرور، حيث يجد في تأويله للنصوص أن المشكلة ليست في النص، بل في فهمه والقدرة على تأويله بما يماثل واقع الناس، وبأن هناك فرقًا بين الفقه الإسلامي التاريخي وبين الأوامر الإلهية، وبضرورة التفريق بين الدين الإسلامي الإلهي والتفسير النصوصي الإنساني.

وفي قراءته للمرأة يرفض اعتبار أن تفضيل القوامة هو تفضيل فطري، بل يرجح أن الأفضلية بين الرجال والنساء مرتبطة بالحكمة وحسن الإدارة، ولذلك يجب أن تقوم القوامة وإعادة قراءة علاقة الرجل بالمرأة بشكل عام هي أن تكون المسؤولية والقوامة لمن يملك الأفضلية في الإنفاق وحسن التدبير [12].

| خلاصات ونتائج 

قوامة-12.png

من السابق يمكن أن نجد تعدد إطارات التفسير المعاصرة لمفهوم القوامة سواء بتكريس التفسير التقليدي، والذي يعطي الرجل سلطة مطلقة على المرأة كالحركة السلفية على سبيل المثال، أو بإعادة فهم الإسلام ضمن الإطار الاجتماعي الحالي، ولكن بإعطائها بعض الحقوق الإضافية كما فعل منظروا الحركات الإسلامية، أو بالتفسير الجديد للقوامة بناء على مركزية مفهوم التوحيد والاستخلاف كطرح د.هبة رؤوف عزت، أو بضرورة إعادة قراءة الإسلام والقوامة، مع أخذ التفسيرات المعاصرة للجندر بعين الاعتبار يعطي أبعادًا جديدة للمفهوم، والذي بإمكانه تحريك المياه الراكدة نحو اجتهاد جديد في الإسلام بشكل عام وفي أوضاع المرأة بشكل خاص بما يتيح للوصول إلى أقرب فهم تجديدي معاصر يحفظ للمرأة حقوقها ويظل ضمن الإطار العام للإسلام.

تم توجيه العديد من الانتقادات التي تحاول فهم أوضاع المرأة بقراءة إسلامية تجديدية، التي تحاول تأويل النص بالإرتكاز على أوضاع النساء المتردية بشكل أساسي، وتحاول تأويل النصوص الدينية تأويلًا يسعفها للوصول إلى نتائج مرضية، مثل قراءة حامد أبو زيد وقراءة محمد شحرور، أو القراءات النسوية الإسلامية التي تحاول فهم القوامة ضمن إطارات مختلفة اجتماعية وسياسية واقتصادية في محاولة لزعزعة وتغيير الوضع القائم.

من النقد الذي وجه لهذه القراءات هو أن هذه القراءات -كقراءة نصر أبوزيد مثلاُ-  قراءات علمانية معاصرة مجتزأة، تحاول العبث والانتقاء من النصوص.

من ذلك عدم الاعتراف بالمطلق بالنسوية الإسلامية، وبالتالي رفض معظم أو جميع ما تأتي بهن من اجتهادات، وكذلك اعتبار النسوية الإسلامية أحد أشكال النسوية الغربية المقنعة بقناع إسلامي، ولذلك، فلا حاجة للمسلمات لهذه النسوية، بل يكفي إعادة حقوق النساء ضمن المجتمع العربي الإسلامي، بحيث لا يجب فتح الباب لمثل هذه الاجتهادات[13].

وكذلك فإن من النقد الذي وجه لهذه القراءات هو أن هذه القراءات -كقراءة نصر أبوزيد مثلاُ-  قراءات علمانية معاصرة مجتزأة، تحاول العبث والانتقاء من النصوص، وأنه يجب قراءة الإسلام ونصوصه ضمن أطر الإسلام وأدواته الاجتهادية، ورفض أن يكون للواقع سلطة مطلقة على النص ليمنع الشذوذ في التأويل[14].

قوامة-11.png

إضافة إلى ذلك؛ فإن مشكلة القراءات التجديدة  ذات الطابع الأنثوي أنها غير ممكنة في العلوم الشرعية حتى لا تؤدي إلى ظهور تفسير نسوي أو أنثوي للإسلام وتفسير رجالي أو ذكوري للإسلام، وأن هذا سيؤدي إلى اتباع الهوى بالضرورة في التأويل، ونزع القدسية عن النصوص الدينية القرآنية خاصة [15].

أظن أن مشكلة الانتقادات التي تميل إلى رفض كل التفسيرات التجديدة، سواء في قراءة النصوص أو في إعادة فهم النصوص المتعلقة بالمرأة فهمًا جديدًا اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا هو رفض هذه الانتقادات للاعتراف بتغير السياق الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للمسلمين عما كانوا من قبل، وكذلك رفض الاعتراف بضرورة تجديد التراث وإن كان ضمن أطر الإسلام وليس بمحو هذا التراث بالكامل، بل بإعادة فهمه وفرز ما كان ضمن السياق الاجتماعي والسياسي عن ما كان ضمن التفسيرات الإسلامية للنصوص بشكل بحت.

كذلك هذه الانتقادات تحاول تجاهل ازدياد سوء أوضاع المرأة في العالم العربي في بعض المناحي، وعلى الرغم من حمل خطاب تكريم الإسلام للمرأة في كل الأحوال إلا أنه لا يوجد واقع موازي يحاول بالفعل إعادة الحقوق التي أعطاها الإسلام للمرأة للحفاظ عليها وصيانة كرامتها ضمن الإطار الإسلامي، وغالبًا ما تمر السنوات وعندما تأخذ المرأة هذه الحقوق أو بعضها بسبب الاجتهاد النسوي المعاصر يتم تجاهل أن هذه الحقوق جاءت بسبب هذا الاجتهاد، وليس بسبب فهم المجتمع بشكل عادي لحقوق المرأة في الإسلام مرة أخرى.

قوامة-08.png

وكذلك أظن أنه على النسويات الإسلاميات أو المفكرين المهتمين بفهم وتحسين أوضاع المرأة أخذ الاعتبارات التي يجب معالجتها في إطار تحسين أوضاع المرأة مثل تكريس تحرر المرأة ضمن التحرر الوطني العام في الدولة، فلا يمكن الدعوة إلى تحرير المرأة وحدها والمجتمع بأكلمه يعاني من الفقر والبطالة والتشرد.

فحين تكون النسويات ضمن إطار التحرر العام والنهضة العام يكون المجتمع أكثر تقبلًا وفهمًا لأحوال المرأة وضرورة تحسينها. ولا يعني هذا تجاهل أو جعل قضايا المرأة بعد التحرر من الاستبداد أو الاحتلال، بل يجب أن تكون في إطار موازٍ، ولكن ضمن إطار التحرر، فلا تتعاون النسويات مع الأنظمة المستبدة أو المحتلة على أساس محاولة اقتناص بعض الحقوق.

أظن أن إعادة فهم النصوص الإسلامية ضمن الإطار الإسلامي هو أحد أهم ما يجب أن تقوم به المنظمات والمؤسسات والمفكرات المهتمات بتحسين أوضاع النساء، ومع إعادة الفهم يوازي ذلك محاولة لتغيير القوانين التي بالإمكان أن تحفظ للمرأة حقوقها.

وبشكل آخر للنسويات الإسلاميات ترتيب قضايا المرأة ذاتها بأولوية معتبرة لما تحتاجه المرأة العربية والمسلمة، فلا يكون النضال لأخذ حقوق المرأة الجنسية أكثر أهمية من حماية المرأة من العنف داخل المنزل، وتحسين أوضاع المرأة في العمل ومحاولة توفير فرص لتقليل فجوة الأجور في مقابل عدم الاهتمام لما تحتاجه العاملة الأم من أولويات.

مما سبق وإجمالًا لما تم عرضه في هذه المقالة أظن أن إعادة فهم النصوص الإسلامية ضمن الإطار الإسلامي هو أحد أهم ما يجب أن تقوم به المنظمات والمؤسسات والمفكرات المهتمات بتحسين أوضاع النساء، ومع إعادة الفهم يوازي ذلك محاولة لتغيير القوانين التي بالإمكان أن تحفظ للمرأة حقوقها، وأخيرًا التعرف على أولويات المرأة على الحقيقة من واقع المجتمع بجميع طبقات وأوضاع المرأة فيه دون الانحياز لفئة من النساء على أخرى.


| قائمة المصادر المراجع

[1] “القوامة” في الفكر الإسلامي بين التفسير الكلاسيكي والمعاصر"، المركز الديمقراطي العربي، تمت المراجعة: 10 ديسمبر 2020. https://bit.ly/3n74DaX

[2] "النسوية الإسلامية. ما مدى تلبيتها لحاجات المسلمات؟"، عربي 21، تمت المراجعة: 10 ديمسبر 2020. https://bit.ly/3oKbvvp

[3] "على خطى عائشة التيمورية: مفهوم "القوامة" في فكر مثّقَّفات مسلمات معاصرات"، السفير العربي، تمت المراجعة: 10 ديسمبر 2020. https://bit.ly/2W4CHbG

[4] السعداوي، نوال. وعزت، هبة. المرأة والدين والأخلاق. (دمشق، دار الفكر المعاصر). 2000. ص 192

[5] المرجع السابق. ص 184

[6] "القوامة بين السلطة الأبوية والإدارة الشورية". دار الفكر. تمت المراجعة: 10 ديسمبر 2020. https://bit.ly/2Kej6mG

[7] Chaudhry, Ayesha. And other. Men in Charge?: Rethinking Authority in Muslim Legal Tradition. (London: Oneworld Academic). 2015. P 154-155

[8] Lamrabet, Asma. And other. Men in Charge?: Rethinking Authority in Muslim Legal Tradition. (London: Oneworld Academic). 2015. P 121

[9] Larsen ,Lena. And other. Men in Charge?: Rethinking Authority in Muslim Legal Tradition. (London: Oneworld Academic). 2015. P322

[10] أبو زيد، نصر. فلسفة التأويل: دراسة في تأويل القرآن عند محي الدين ابن عربي. (بيروت: دار الوحدة). 1983. ص 11

[11] أبو زيد، نصر. دوائر الخوف: قراءة في خطاب المرأة. (بيروت: المركز العربي الثقافي). 2009. ص 82

[12] شحرور، محمد. نحو أصول جديدة في الفقه الإسلامي. (القاهرة: الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع). 2000

[13] "النسوية الإسلامية. ما مدى تلبيتها لحاجات المسلمات؟"، عربي 21، تمت المراجعة: 10 ديمسبر 2020. https://bit.ly/3oKbvvp

[14] "نحو تصوّر سليم لمسألة القِوامة مفهومًا وممارسةً"، الدار، تمت المراجعة: 10 ديسمبر 2020. 

[15] قضايا المرأة في النموذج النسوي الإسلامي: القوامة نموذجًا، باحثات لدراسة المرأة، تمت المراجعة: 10 ديسمبر 2020.