بنفسج

نورا ومحمد.. 48 مؤبدًا بميثاقِ حُبٍّ وانتظار

السبت 13 اغسطس

طلَّتْ البارودة، وكان السَّبع في كلِّ مرةٍ يُرسل رصاصةً في السَّماء، ليعرفَ أهلُ المخيم أنها من محمَّد، حتَّى باتت كلُّ بواريد البطل محفوظةً عن ظهرِ قلب، فسبعُ سنواتٍ من المُطاردةِ كانت كفيلةً لفهم أنَّ ثوارَ هذه الأرض لا يستسلمون. وربَّما يصبحُ لقب "المُقاوِم المُطارَد" هو أمنيةٌ من أمنياتِ أميراتِ مخيم الفوَّار، جنوب الخليل، هكذا يكون الأمر هنا، فارسٌ مغوار يمتطي حصانه، يصولُ ويجول البلاد "يدوِّخُ" رأْس اليهود، يأتون له من كلِّ حدْبٍ وصوب، فيجدونه "فص ملحٍ وذاب". تمامًا هذا ما أرادته نورا الجعبري (43 عامًا)، عندما تقدَّم لها بطل الحكايةِ محمد أبو وردة (45 عامًا)، جلست نورا تفكِّر بالبداية والنهاية، فالكلُّ يعرفُ أنَّ محمدًا إمَّا سيُزفُّ عريسًا شهيدًا أو أسيرًا بحكمٍ طويل.

لكنَّها الأرض، ولها يهون الغالي والرخيص، فحبُّ محمد سيكون من حب الوطن، فكان ردُّ نورا: "نعم، قبِلتُ بمجاهدٍ سيكافئني بشطر الجهاد والمقاومة، وإن كانت الشهادةُ من نصيبه، فانتظاري بأن أكون حورَ عينه في الآخرة، وإن كان أسيرًا، فهذه رحلتي للوفاء والانتظار الحلو".  اعتُقِلَ محمَّد في 2002 بعد شهرين من زواجه، وتمَّ الحكم عليه بعد عامين من توقيفه بـ 48 مؤبدًا بتهمة قتل 45 صهيونيًا ليكون صاحب أعلى ثالث حكم في سجون الاحتلال الإسرائيلي.

| فراق مر

عندما تقدَّم لنورا لها بطل الحكايةِ محمد أبو وردة (45 عامًا)، جلست نورا تفكِّر بالبداية والنهاية، فالكلُّ يعرفُ أنَّ محمدًا إمَّا سيُزفُّ عريسًا شهيدًا أو أسيرًا بحكمٍ طويل. لكنَّها الأرض، ولها يهون الغالي والرخيص، فحبُّ محمد سيكون من حب الوطن، فكان ردُّ نورا: "نعم، قبِلتُ بمجاهدٍ سيكافئني بشطر الجهاد والمقاومة.

 وإن كانت الشهادةُ من نصيبه، فانتظاري بأن أكون حورَ عينه في الآخرة، وإن كان أسيرًا، فهذه رحلتي للوفاء والانتظار الحلو".   اعتُقِلَ محمَّد في 2002 بعد شهرين من زواجه، وتمَّ الحكم عليه بعد عامين من توقيفه بـ 48 مؤبدًا بتهمة قتل 45 صهيونيًا ليكون صاحب أعلى ثالث حكم في سجون الاحتلال الإسرائيلي.

لم تكن أيامًا سهلة على نورا، فكانت على يقين أنها ستصبح الأم والأب لجنينها النائم في أحشائها حمزة، خاصةً وأنها منذ لحظة الاعتقال الأولى تعرف أن حكم زوجها سيكون كبيرًا. بدأت هنا أم حمزة مسارًا جديدًا في حياتها، لتكون الأم الصابرة المُحتسِبة والمعلمة الداعية التي ما انفكت تدعمُ زوجات الأسرى وتشدُّ على أيديهن للصبر والصمود في وجه هذه المحنة.

تمرُّ الأيام والسنوات، بعضها ثِقالٌ وبعضها حنونةً بحضنِ الأمل والثقة، كانت تحاول أم حمزة بكل ما أوتيت من قوة أن تعوِّضَ ابنها عن حرمانِ والده، لكنَّ الاختبارَ كان كبيرًا أمامهما في أول يومٍ من أيام دخول حمزة الثانوية العامة، وهي المرحلة المهمة والمفصلية في حياة أي طالب، يُقدِّر الله أن تُصاب نورا بورمٍ خبيث في الغدة الدرقية، اضطرت، في إثره، تلقِّي جرعات اليود المُشع في المشفى، ولم تستطع أن تكون برفقة حمزة، في الوقتِ الذي كانت ترسمُ فيه يوم دخولِ حمزة إلى المدرسة الثانوية، يتبدّل قميصهُ الأزرق إلى قميصٍ رمادي اللون، وتصبحُ حقيبته أكثر ثقلًا بالكتب الجديدة.

| معصوبةٌ عيني لكنِّي أراه بقلبي

inbound7631644978877690324.jpg
الأسير محمد أبو وردة  صاحب أعلى ثالث حكم في سجون الاحتلال الإسرائيلي

لم تتوقف دروس الصبر أمام نورا، ففي كل محطة هناك تحدِّياتٍ صعبة لا بدّ أن تُجتازَ بجلَدِ الثَّبات، تستذكر نورا أصعب الأيام التي مرَّت عليها وعلى ابنها، حين اقتُحم بيت أهلها في أحد الصباحات، وهي تُجهِّز حمزة للذهاب إلى الامتحانات النهائية، لتُعتقل نورا تاركةً خلفها قطعةً من روحها دون أبٍ أو أم، تقول: "مرَّت أيام التحقيق بقسوةٍ كبيرة، كنتُ أجلس على كرسي التحقيق لساعاتٍ طويلة، معصوبةَ العينين وقلبي خارج الأسوار يفكر بحمزة، ماذا يفعل الآن وكيف يشعر دون وجودي معه، كنتُ أعيشُ خيالَ أنه أمامي، يلعب ويجري ويضحك ويُشاكس، حاولتُ ولادةَ الأمل بكل طاقتي".

مرَّت أربعة أشهر في الاعتقال، عاشت فيها نورا ظروف السِّجن المُظلِمة ما بين حرمان الزيارات والتحقيق المستمر، وروحها التي تشتعل شوقًا لرؤية فلذة كبدها حمزة. خرجت نورا من سجون الاحتلال الإسرائيلي بهمَّةٍ عالية، لتواصلَ رسالتها من دون كللٍ أو خوف. وأمَّا عن أكثر اللحظات صعوبةً في مسيرة نورا، تقول: "تُعتبر مرحلة المراهقة بطبيعتها مرحلةً مهمة وحساسة، خاصةً مع ازدياد سؤال حمزة عن موعد خروج والده، أدركتُ أنه الوقت المناسب لشدِّ عزيمة ابني وتعليمه دروس احتساب هذا الابتلاء لأجل الله ونصرة القضية الفلسطينية، والدور المنشود من ابن الأسير لرفعِ رأس أبيه".


اقرأ أيضًا: ساجدة أبو الهيجا: سفيرة العائلة وأم أبيها وأمها


ما خيَّب حمزة ظنَّ أمه ورسالة أبيه، ليتخرج من الثانوية العامة بتفوق بعد عامٍ كامل من الجد والاجتهاد والمُثابرة، تتابع نورا: "بعد إعلان نتائج الثانوية العامة، وسماع اسم حمزة من الناجحين، سجد قلبي وبكت عيني، كم تمنيتُ أن يشاركنا محمَّد هذه الفرحة، أن يرى ابنه الرجل وهو يحصد سنوات التعب، ربّما ذلك اليوم من أكثر الأيام التي لا أنساها ما بين الفرحة والحسرة".

| لمسةُ الأبِ الأولى

 
حاولتْ نورا منذ بداية اعتقال محمَّد أن تزوره مرارًا وتكرارًا، لكن الزيارات كانت صعبةً وقليلة، حتى أنَّها في كثيرٍ من الأحيان تحصل على تصريحٍ للزيارة، بمجرد وصولها بعد رحلةٍ تستمر لساعاتٍ طويلة، تُفاجأ برفض الزيارة كعقابٍ من إدارة السجن لمحمَّد.
 
إن إدارة السجون الإسرائيلية مازالت تضع الكثير من الحواجز لعرقلة الزيارات، وهذا ما أدى إلى منع أم حمزة وابنها من زيارةِ محمَّد أكثر من ثلاث سنوات، إلى أن حصل على تصريحٍ أخير قبل شهرٍ من الآن ليلتقيا جميعًا من وراء شباكٍ زجاجي، لمدة لا تتجاوز 45 دقيقة، لقاءٌ قُرَّتْ فيه أعينهم، فهذه أول مرةٍ يرى فيها محمَّد ابنه حمزة وقد تزيَّن بلحيةِ الرجال.

حاولتْ نورا منذ بداية اعتقال محمَّد أن تزوره مرارًا وتكرارًا، لكن الزيارات كانت صعبةً وقليلة، حتى أنَّها في كثيرٍ من الأحيان تحصل على تصريحٍ للزيارة، وبمجرد وصولها بعد رحلةٍ تستمر لساعاتٍ طويلة، تُفاجأ برفض الزيارة كعقابٍ من إدارة السجن لمحمَّد، ليعودوا وفي قلوبهم الحسرة. وأمّا عن الزيارةِ الأولى التي كانت برفقة حمزة كان يبلغ من عمره العام ونصف العام، ويال صغر هذا العمر علينا ويال طوله أمام محمَّد وهو يلمسُ يدَ طفله للمرةِ الأولى ويشمُّ رائحته ويحتضنه.

رغم كل المناشدات والمطالب بتسهيل زيارة أهالي الأسرى لذويهم، إلَا أن إدارة السجون الإسرائيلية مازالت تضع الكثير من الحواجز لعرقلة الزيارات، وهذا ما أدى إلى منع أم حمزة وابنها من زيارةِ محمَّد أكثر من ثلاث سنوات، إلى أن حصل على تصريحٍ أخير قبل شهرٍ من الآن ليلتقيا جميعًا من وراء شباكٍ زجاجي، لمدة لا تتجاوز 45 دقيقة، لقاءٌ قُرَّتْ فيه أعينهم، فهذه أول مرةٍ يرى فيها محمَّد ابنه حمزة وقد تزيَّن بلحيةِ الرجال.

تصمتُ نورا وتحوم عيناها قبل ذاكرتها إلى يومٍ لا يُنسى، التاسعة مساءً، الكلُّ يلتفُّ حول شاشة التلفاز، كلمة صفقة تتوشَّحُ الأخبار، وأنباء أكيدة عن عقد صفقة وفاء الأحرار 2011، وهنا تسمَّر الكونُ أمام نورا، دقَّ قلبُها للحظة اللقاء، أيخرجُ هذا البطل حقًّا؟ هل سنلتقي ثلاثتُنا وأخيرًا؟! لكن سرعان ما تبخَّرت هذه الأحلام أمام قائمة أسماء الممنوعين من الخروج في هذه الصفقة.

ورغم أنَّها لم تكن أيامًا هيِّنة على العائلة، إلَّا أنهم في كلِّ مرة يسمعون أخبارًا جديدة تتحدث عن صفقةٍ قريبة، يستودعون مُحمَّدا لله، ويجلسون بقلب اليقين ينتظرون طلَّة المغوار أمامهم فاللقاء قاب قوسين أو أدنى، وإن لم يكن له نصيبٌ في الصفقةِ القادمة، تردِّدُ نورا بعزيمة الخنساء بيت الشعر الذي تحبه ويذكِّرُها بقصتها مع مُحمَّد "وقد يجمعُ الله الشتيتين بعدما يظنَّان كل الظنِّ ألَا تلاقيا".

| طعمُ الحرية سيُغمَسُ بعسل الِّلقاء

inbound8015359205950127733.jpg
الأسير محمد أبو وردة مع زوجته ووالدته

 الشوق، الانتظار، الحنين، صور الذكريات على كلِّ جدار، صباحُ العيد وكعكه، صرخةُ أول مولودٍ في العائلة، والمرّةَ الأولى التي نطق فيها حمزة حرف الباء ينادي "بابا"، وأول يومٍ تذهبُ فيه نورا إلى العمل، كلُّها لحظات حُوصِرت بالألم كأمنيةٍ يتيمة لوجود مُحمَّد، وهذا ما دفع هذه المرأة القوية لتربِتَ على كتف زوجات الأسرى قائلةً: "أشعرُ جيدًا معنى الليالي الطويلة يا حبيبتي، أعرف شعورَ اليوم الأول الذي تُقبِّلين فيه طفلك ليدخل الصف مُمسكًا يدًا واحدة، واليدُ الأخرى يُدارَى فراغُها برسالتِك".

تكمل: "أُدرِك تلك اللحظة التي اشتقتِ فيها لفارسِك، وتمنِّيتِ لو تُطوَى كلُّ المسافات على كتفه، أجل، أعرفُ جيِّدًا سرَّ زجاجةِ العطر المُخبَّأة بين الثياب، وكلَّ الغضب على من يلمسُها، إليكُنَّ وكلُّنا في نفسِ المركب يا زوجات المجاهدين، تذكَّرن هذا الاصطفاء من الله، وأن طعم الحرية سيُغَمَسُ بعسل اللقاء القريب".

هذه نورا، واحدة من خنساوات فلسطين اللائي نقشنَ الصَّبرَ على الحجارة، ربما تنتهي الكلمات هنا، لكنَّ ترقيمَ الفاصلة هو سيِّدُ النَّص، فالحكايةُ لم تنتهِ ولا مكانَ للنُّقطة، فكلُّ يومٍ تنضمُّ زوجة أسيرٍ جديد إلى هذه القافلة، يجلسُ حولها زوجات الأسرى بخبراتهنَّ، يحتضنونها، يخبرونها كيف ستسير أيامَ الحياة معها، ويعلِّمونها آيات الاستوداع والصبر، ويُبشِّرونها بنور النهاية عندما تستوي السَّفينة على جوديِّ اللقاء.