بنفسج

قصتي.. رغد حمد

الخميس 09 مارس

مرت خمس سنوات على اعتقال مالك ونحن كعائلة نال الألم منا كثيرًا، أُصيبت أمي بفشل كلوي وهي تجاهد حزنها وتدعو أن يفك الله كرب حبيبها مالك، كل أملها أن تحضتنه عن قرب في غرفته وهو حر طليق لا يعكر صفوه أي شيء، رحلت أمي وهي مقهورة على ابنها. وها هي الحياة تصفعنا وتصفع مالك من جديد، فقد اهتز من الداخل حين علم بوفاتها، لن تنتظره حين ينال حريته لتطهو له ما يحب، لن تحتضنه وهي تقول: "حبيب قلبي يما". أصر على معرفة كيف كانت ليالي أمي الأخيرة لكني كنت أفضل عدم الإجابة رغبة مني في التخفيف عنه. 

كيف أمي ماتت يا رغد كيف؟". قالها وعينيه تمتلئ بالدموع وصوته بالكاد يخرج، زرته بعد ثلاث سنوات من الانقطاع وكان اللقاء حزينًا، لم أعرفه في البداية، هل لكم أن تتخيلوا لم أعرف أخي، لقد نال منه السجن كثيرًا، في مرة سمعت أن الحزن يظهر على الوجوه بشدة، وهذا انطبق على مالك، لقد اشتد عليه ألمه بعد وفاة والدتي.

أنا رغد حامد، شقيقة الأسير مالك حامد، من بلدة سلواد، المحكوم بالمؤبد مرتين إثر اتهامه بتنفيذ عملية دهس أدت إلى مقتل جنديين وإصابة آخر. اعتُقل مالك وأنا ابنة الثالثة عشر عامًا، كنت صغيرة جدًا على استيعاب الأمر، غمرتني الأسئلة ودق قلبي بخوف؛ هل لن أرى مالك مجددًا؟ هل أصبحت أخت الأسير؟ أسئلة فتاة ما زالت بعمر صغير، صدمتها كانت أقوى من أي شيء.

مرت خمس سنوات على اعتقال مالك ونحن كعائلة نال الألم منا كثيرًا، أُصيبت أمي بفشل كلوي وهي تجاهد حزنها وتدعو أن يفك الله كرب حبيبها مالك، كل أملها أن تحضتنه عن قرب في غرفته وهو حر طليق لا يعكر صفوه أي شيء، رحلت أمي وهي مقهورة على ابنها. وها هي الحياة تصفعنا وتصفع مالك من جديد، فقد اهتز من الداخل حين علم بوفاتها، لن تنتظره حين ينال حريته لتطهو له ما يحب، لن تحتضنه وهي تقول: "حبيب قلبي يما". أصر على معرفة كيف كانت ليالي أمي الأخيرة لكني كنت أفضل عدم الإجابة رغبة مني في التخفيف عنه. 

دعوني أقول لقد اختبرتنا الحياة في مواقف عديدة آخرها حين أجرى أبي عملية قلب مفتوح، كنت أدعو الله بطول العمر والصحة لأبي، لن يتحمل مالك جرح جديد، فلم يطب جرحه الأول ولن يطيب. 

في كل زيارة لمالك يحرص على بث الأمل في قلبي، ويشجعني على دراسة القانون، ابتسم له وأخبره بأنني على قدر المسؤولية فلا تخف، أتأمل عينيه الغائرة ووجهه الشاحب بكل حزن، حقًا لقد تغير مالك جدًا. 

أخي المحب للخير المعطاء، كان يخبرني عن حبه لزميله في السجن فارس بارود، كنت أسعد بتلك العلاقة بينهما، حتى جاء الخبر الحزين "فارس استشهد"، تأثر مالك جدًا بفقدانه لصديق عزيز شاركه الغرفة والهموم والآمال، فقد أعصابه على السجان وسكب الماء الساخن عليه، فحُرم من "الكانتينا" وهو المال الذي نضعه له لشراء حاجياته، وفرض عليه غرامة مالية، وتم عزله لمدة 3 أشهر، ونقله من سجن ريمون لسجون أخرى حتى استقر بسجن جلبوع.

 لا يستطيع فارس تحمل الظلم يمقته بشدة، قبل حوالي عام ونيف وبعد حدث "نفق الحرية" سكب مالك الماء الساخن في وجه جندي، احتجاجًا على التنكيل الذي يتعرض له الأسرى، فعوقب بالعزل الانفرادي، وها هو في العزل منذ وقتها، وحالته الصحية تتدهور.

على الرغم من السجن ومراراته استطاع مالك أن ينهي الثانوية العامة في السجن، والآن يدرس الشريعة الإسلامية. 

اشتقت كثيرًا أن يصحبنا مالك بالسيارة، أذكر كيف كان يحب قيادة السيارات، منذ غيابه وغياب والدتي لا نستطيع أن نستمتع بأي شيء، نفتقد وجودهم معنا في رمضان والمناسبات، تبقى غصة في القلب لا تشفى. 

أنتظر وكلي أمل أن نحتفل مع مالك بلذة الحرية، قيل لي: "مستحيل أخوكي يطلع من السجن هاد محكوم مؤبد مرتين". ولكن أملي لا يتركني وشأني لدي يقين بالمستحيل، واسأل الله أن يفرج كرب مالك ويصدح بيتنا بأغنية "طلعنا وقهرنا السجان". فك الله قيد كل أسرانا وهون علينا وعليهم الابتلاء الصعب.