بنفسج

قصتي.. مريم الحاج موسى

الثلاثاء 16 مايو

الصحافة نالت مني صحتي النفسية والجسدية كثيرًا، في مرات عديدة وأنا أبحث في الأماكن عن قصة للتصوير، أجلس في منتصف الشارع رغبة مني في أخذ نفس، لا يهمني ما يقوله المارة، يكفي ان أرتاح، رأيت خلال عملي العديد من الناس وتعرفت عن حكايتهم عن قرب، في كل مرة أقول هذه القصة مأساوية أكثر، ثم اكتشف أن يوجد ما هو أسوأ في هذه الحياة.
مريم.jpg

"مريم الحاج موسى.. فلسطين اليوم.. بيروت"، هذا ما يقوله ابني بعد نهاية كل تقرير يراه لي، يقلدني بشكل محترف، ويحب مشاهدتي على الشاشة، وأنا أحب نظرته لي الفخورة حين يندمج في تقاريري، وأفخر بأمي التي تتباهي بي في كل مكان وترسل لأصدقائها "شوفوا بنتي على الشاشة.

أنا مريم الحاج موسى مراسلة تلفزيونية فلسطينية مقيمة في لبنان، لم أر البلاد قط لا أنا ولا أمي وأبي، هجر أجدادنا من البلاد منذ النكبة، وما زلنا نتحمل مرارة اللجوء في مخيمات اللاجئين في لبنان التي لا تصلح للحياة، هنا الفلسطيني مجرد من حقوقه، هذا الموضوع طويل دعوني لا أطيل به، ولأخبركم حكايتي مع الإعلام.

لم يكن عالم الإعلام حلمي يومًا، كان جدتي تقول لي: "رح تصيري مذيعة"، لم أبه لحديثها كثيرًا لأنها ليس أمنيتي، كنت أتمنى أن أصبح معلمة وحين تخرجت من الثانوية العامة التحقت بالجامعة بقسم العلوم، وأثناء خروجي من الجامعة التقيت بزميل لي فقال لي: "شو سجلتي"، أجبته فاستغرب من اختياري وقال: "أنت بتكتبي حلو كتير ليش ما تفوتي إعلام". حقيقة ذكرني بذكريات المدرسة وكتاباتي للتعبير في حصص العربي، كنت أبدع في الكتابة أذكر أنني في مرة كتبت موضوعًا فطبعته معلمتي ووزعته على كل الصفوف إشادة بي.

ذهبت للمنزل وأخبرت أمي بأنني قررت الالتحاق بكلية الإعلام، رفعت حاجبها لبرهة، ثم قالت: لأ. فصمت أنا وخضت إضرابًا عن الطعام لمدة يومين حتى ترضخ لمطلبي وتوافق، وبالفعل وافقت بعد ضغط كبير مني، لم يكن دارجًا في تلك الآونة تخصص الإعلام لصعوبته ولم تكن تقبل بعض الجامعات بأي طالب به إلا إذا كان منتميًا لحزب معين أو اتجاه.

"أنت يا مريم تصلحين لأن تكوني مراسلة تلفزيونية" قالها لي أستاذي في الجامعة، في طفولتي كنت أضع الوسائد والتقط "المدقة" لتكون المايك وابدأ بالحديث لكن كتقليد فقط وليش شغف لدور المذيعة، رأيت نفسي طوال طفولتي كمعلمة أطفال.

اندمجت خلال سنوات الدراسة بالتعلم والتدريب، وكان مشروع تخرجي عبارة عن فيلم وثائقي بعنوان "شرايين ضيقة" وفاز لاحقًا في عام 2013 بجائزة من مهرجان القاهرة السينمائي، وكان فكرته تدور حول غياب مساحات اللعب للأطفال عن مخيم برج البراجنة ومعاناتهم.

وفي العام 2012 بدأت بالعمل في قناة فلسطين اليوم كمعدة برامج ومقدمة، تدرجت في الأعمال في القناة، حتى وصلت للمراسلة، وهذا بعدما أعددت في مرة تقرير ميداني، وشاهدته الإدارة وحولتني للعمل كمراسلة ميدانية.

في عملي الإعلامي أحب اختيار الأفكار الإنسانية للعمل عليها، وابتعد عن الموضوعات السياسية وإن فعلت تقارير سياسية لا أنشرها على صفحتي، لأن الناس لا يحبونها، يحبون الحكايات، ويتفاعلون معها. ومن أحب التقارير التي أعددتها لقلبي هو تقرير عن عرس فلسطيني بامتياز وهذا غير دارج لدينا، كان التقرير مفعمًا بالحب، كل شيء مزين بالكوفبة، أغصان الزيتون تتناثر على الطاولات، الدبكة الفلسطينية حاضرة، والثوب الفلسطيني تزينت به العروس، فنال على صفحتي عبر الفيس بوك نصف مليون مشاهدة، وحاز على إعجاب الكثيرين، إضافة إلى أن معظم الصفحات تناقلته.

"كل مر سيمر" أؤمن بذلك جدًا، واجهتني خلال حياتي تحديات عديدة أبرزها الموزانة بين الأسرة والعمل، أن بالنسبة لي عائلتي الأولوية الأولى ثم يأتي أي شيء آخر، منذ أن كبر طفلي قليلًا وأنا حولت الدوام بعملي إلى ثلاثة أيام، وذلك رغبة مني في قضاء وقت أطول مع ابني، ومتابعته بشكل أطول، فالدوام يأخذ يومي كله، الأم العاملة لا يتنتهي عملها بمجرد خروجها من بوابة العمل، بل يبدأ من جديد بطريقة أخرى في منزلها.

الصحافة نالت مني صحتي النفسية والجسدية كثيرًا، في مرات عديدة وأنا أبحث في الأماكن عن قصة للتصوير، أجلس في منتصف الشارع رغبة مني في أخذ نفس، لا يهمني ما يقوله المارة، يكفي ان أرتاح، رأيت خلال عملي العديد من الناس وتعرفت عن حكايتهم عن قرب، في كل مرة أقول هذه القصة مأساوية أكثر، ثم اكتشف أن يوجد ما هو أسوأ في هذه الحياة.

لا أنقطع عن أصحاب القصص بمجرد انتهاء التصوير ونشر التقرير، أتابعهم فيما بعد بعيدًا عن الشاشة، وأحاول بشتي الطرق تقديم المساعدة لهم،لم تحدثفي مرة وأن تركت قصة خلفي عالقة إلا أطمأن عليها لاحقًا، وأربطها بأناس ليساعدوها، يستفزني بعض الناس حين يعلقون على تقاريري قائلين: "بدل ما عم تصوروا ساعدوهن"، من قال لهؤلاء الناس أننا لا نساعدهم، ولكن مهمة الإعلام نقل الصورة للمعنين وتعريفهم بالمشكلة.

 أحب في نفسي أنني أشاهد تقاريري أكثر من مرة، فأتعلم في كل مرة شيئًا جديدًا، وأصحح الأخطاء لاحقًا،بالرغم من أنني لم ألتحق بدورة تدريبية واحدة في حياتي إلا أنني اجتهد على نفسي، أأمل في أيامي القادمة أن تكبر عائلتي أكثر، وأن أطور نفسي أكثر في عالم المراسلة الذي لقيت فيه المتعة أكثر من عملي كمقدمة برامج.