بنفسج

تجربتي مع الدعاء

الأربعاء 17 مايو

“في هذه الليلة يستجيب الله الدعوات، أي دعوة لديكِ قوليها بصدق وسينفذها الله لأجلك”، قالتها لي أمي في الساعات الأولى من ليلة القدر قبل نحو 20 عامًا، كنت في المرحلة الابتدائية، أسألها باهتمام عن معنى تلك الجملة، فأعطتني الإجابة السحرية، “أي دعوة أي دعوة؟!”سألتها، فأكدت لي أن بإمكاني أن أسأل الله أي شيء. وقتها لم يكن لديَّ سوى دعوتين اثنتين فقط، أما الأولى، أن يلتئم شمل عائلتي، وأن يعود أبي للعيش معي، وأما الثانية، فكانت الأغرب على الإطلاق “يا رب أفتح الدولاب ألاقي فيه 80 ألف جنيه”.

“في هذه الليلة يستجيب الله الدعوات، أي دعوة لديكِ قوليها بصدق وسينفذها الله لأجلك”، قالتها لي أمي في الساعات الأولى من ليلة القدر قبل نحو 20 عامًا، كنت في المرحلة الابتدائية، أسألها باهتمام عن معنى تلك الجملة، فأعطتني الإجابة السحرية، “أي دعوة أي دعوة؟!”سألتها، فأكدت لي أن بإمكاني أن أسأل الله أي شيء. وقتها لم يكن لديَّ سوى دعوتين اثنتين فقط، أما الأولى، أن يلتئم شمل عائلتي، وأن يعود أبي للعيش معي، وأما الثانية، فكانت الأغرب على الإطلاق “يا رب أفتح الدولاب ألاقي فيه 80 ألف جنيه”.

ما زلت أذكر الدعوة جيدًا، والمبلغ الذي طلبته، سألت الله من كل قلبي أن يرزقني هذا المبلغ، ليس مجرد رزق عابر، كنت أرغب في أن أرى معجزة داخل دولابي، 80 ألف جنيه في الرف الأوسط من دولابي الخاص الذي لم يشاركني فيه أحد قط. ليلتها كان لديَّ ثقة تامة أن الله سيستجيب دعائي، ظللت أفتح الدولاب مرة بعد أخرى، وأنا أفكر أن ما أفعله خطأ، حدثني عقلي يومها “سيبي الدولاب مقفول شوية عشان لو فتحتي والفلوس بتتحط ممكن تتشال منك تاني”، هكذا حاولت أن أمسك بيدي عن فتح الدولاب، مرة بعد أخرى حتى غلبني النعاس.

في صباح اليوم التالي قررت أنني سوف أفتح الدولاب أخيرًا، كانت نفس الثقة تراودني حقًا، بالفعل فتحته، لكنني أيضًا لم أجد أي شيء داخله، كما لم يعد أبي قط. ظللت أفكر لماذا لم يستجب الله دعائي، هل أنا سيئة لهذا الحد؟ لكن الغريب في الأمر أن الله وضع بقلبي ثقة راسخة أنه إن لم يتحقق هذا الدعاء فسوف تتحقق دعوات أخرى أكثر منطقية، وخيرًا من 80 ألف جنيه ما كنت لأعلم على وجه التحديد لماذا طلبتها أو ماذا أود أن أفعل بها.

لم تنقطع رحلتي مع الدعاء، ولم يخذلني الله تقريبًا، لكن الدعاء اللاحق الأكثر غرابة دعوته وأنا في الخامسة والعشرين من عمري، يومها كنت عائدة بانهيار عصبي من الشارع، بعدما رأيت ذلك الشاب الأسمر المشرد ذا القدم الجريحة، واللكنة الصعيدية، فاقدًا عقله وصحته ويكاد يفقد حياته بجرحه الغائر الملوث الذي يخطو به على الأرض غير شاعر بشيء.

تحولت حياتي إلى جحيم بسببه، حيث كنت أمر به يوميًا، أتابع قدمه، وقد أصبحت ضِعف حجمها أربع مرات تقريبًا، بينما يسير هو هاذيًا غير واعٍ بشيء، أسبوع كامل من الاتصالات والاستغاثات لمن يهمه الأمر ومن لا يهمه الأمر، جمعيات خيرية، أطباء مشهورون بفعل الخير، مؤسسات رسمية، لم أدع أحدًا أعرفه إلا واستنجدت به لنجدة الرجل، دون جدوى.

أذكر ذلك اليوم حين عدت إلى البيت عاجزة عن تناول الطعام، يومها تكومت في ركن الشقة وبكيت كثيرًا قبل أن أصلي إلى الله صلاة حاجة، وأطلب إليه معجزة تنصف الشاب وتبرد قلبي، وتجعل من رأوه ذليلاً يتعجبون من إنصاف الله له.

فجأة تيسر كل شيء، في اليوم التالي مباشرة تدخلت مجموعة خيرية مميزة جدًا لمساعدة الرجل، لم يكن الأمر بهذه البساطة، فالمجموعة السرية أفرادها يعملون بوظائف مرموقة جدًا، من بينهم ذلك الضابط في إحدى الجهات الحساسة، والذي يمارس مهام الخير مع المجموعة في أوقات فراغه، فجأة تطوع طبيب نفسي بمساعدته، واستأجر سيارة وممرضًا للعناية به. كان خطيبي وقتها، زوجي حاليًا، يقوم بالمهمة مع فريق الإنقاذ، بينما أنا في البيت أتلقى مكالمة بعد أخرى وأنا عاجزة عن التصديق.

حدثني عبر الهاتف عن تلك السيارات الفارهة التي جاءت لنقل الشاب إلى المستشفى، مجموعة سيارات تخص أعضاء المجموعة وواحدة لأجل الشاب، وأخرى تضم فريقًا للتدخل في حال ثار أو خرج عن الطوع، حدثني عن النظرات المتعجبة التي تتبعته حتى غاب عن الأنظار، ذات البائعين والمارة الذين لم يهز لهم مشهد الشاب جفنًا، اتسعت أحداقهم وهم يتابعونه يبتعد في موكب وصفه لي زوجي بالمهيب.

تحققت المعجزة آنذاك، وعلمت وقتها حقًا أن الدعوات تُجاب مهما بدت غريبة، صحيح أن الدعوات لا تُجاب جميعها، لكن ثمة إجابة، وثمة إنصاف، وثمة أمل، وثمة عوض أيضًا، حتى تلك التي لا تُجاب، في عدم إجابتها رحمة باطنة لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى. فـ”رُبَّ خيرًا لم يُصِبك كان شرًا لو أتاك”.

تحسَّنت حالة الشاب كثيرًا في مستشفى العباسية للأمراض النفسية، تحدَّث عن اسمه، وعن عمره وبلدته التي لم يكن راغبًا في العودة إليها مرة أخرى، لِما لاقاه فيها من مواقف أليمة، أدَّت به إلى الحالة التي وصل إليها. شًفيت قدمه التي كانت على وشك البتر، حيث وصل الجرح وقتها إلى مرحلة صعبة للغاية، لكن حداثة سنه وخلّوه من الأمراض المزمنة ساعداه على التعافي.

نموذج لشخص مُدمَّر كليًّا، تحول من النقيض إلى النقيض برحمة الدعاء، جعلني من وقتها أوقن من قلبي أن الدعاء يغير الأقدار وينقذ الأعمار، فقط برحمة الله وحوله وقوته، وثقتنا التامة في الإجابة وحسن نيتنا وقوة “كن فيكون”.