بنفسج

اللقب.. ابنة شهيد

الأربعاء 17 مايو

قليل من الوقت، وبدأت العملية الجراحية، ثم مرت ساعات ولم يخرج طبيب ولا ممرض ليخبر أحدًا من أقاربي عن مصير أبي، حتى اكتشفوا أن جثمانه قد خُطف ليُرحل الى مشرحة في حيفا، ليسرقوا أعضاءه! لم يسرقوا أرضه وحريته فقط، بل اقتحموا جسده وسرقوا أعضاءه، وأرسلوه إلينا يملأ جسده القطن، ويُمنع علينا إدخال جثمانه إلى البيت، وأن لا يمشي في جنازته إلا خمسة عشر شخصًا، فكانت الجيبات العسكرية تحاصر جنازته حتى دُفن. هذه قصة جدك يا صغيري، مجرد ذكرى، وكم من ذكرى غيره تملأ قلوب الفلسطينيين، وكم من ألم تجرعناه إلى يومنا هذا.

أتعلم يا صغيري؟ أنا كبرت على كلمة ابنة شهيد، وليس في صندوق ذكرياتي لأبي إلا مشهدين أحيا بهما. كم وددت أن يكون بجانبي ويعانقني، كم وددت لو أنه موجود حتى يعاتبني، كم وددت أن يصفعني لخطأ أو يعاتبني لذنب، كم تمنيت أن أرتمي فوق صدره، وأيقظه ليلاعبني، فيحملني بين ذراعيه ويخبرني.

أنا ملكك يا صغيرتي، آه، وكم من آه تخرج فتشعل الفؤاد ثم تتركه محطمًا. لكن، توجد أمي التي صنعت لي من أيامها معه قصصًا لأرويها لكم. لم تلبث معه سوى خمس سنوات، خمس سنوات من الحب، تبللت بالخوف والترقب وأصوات الحجارة.

لا تسألني عن أي حجارة تتحدثين، سأخبرك، فأنا أقرأ في عينيك ما تودّ أن تنثره عليّ من أسئلة. كانت الانتفاضة الأولى، وكانت تُسمى انتفاضة الحجارة. كان الاحتلال الذي تعرفه، موجود هنا بالقطاع الحزين، يجوب شوارعنا ليل نهار، ويقتحم حرمتنا ليل نهار، فلا أحد يوقفه، ولا صاحب نخوة يأنّبه.

وكان يعلن في تلك الأيام حظرًا للتجوال، فممنوع الحركة، وإلا ستلاحقك القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي، ما كان يتحرك فقط هم خفافيش الليل الذين لا يهمهم جيش ولا غيره، فهم مرسلون فقط ليجعلوهم يشاهدوا مقاطع رعب لم يشاهدوها حتى بأفلام هوليود المرعبة، كنا نطلق على هؤلاء اسم (المطاردين)، هؤلاء الذين أذاقوا الويل للاحتلال، جعلوهم يتمنون لو أنهم يستيقظون يومًا، فيجدوا أن غزة قد ابتلعها البحر.

وفي يوم من أيام الحظر الذي كان يُمنع فيه الأذان والصلاة، كانت المساجد مغلقة، فقرر أبي أن يؤذن رغمًا عن أنفهم، كان في بيتنا باب يدخلك للمسجد. رفع أبي الأذان وصدح تكبيره، فاخترق آذانهم وأرعب قلوبهم، فهرولوا مسرعين إلى باب المسجد وحطّموه.

واعتقلوا والدي، أخذوه بقيوده إلى زنازينهم. وكان ذنبه الوحيد أن رفع اسم الله، ويا له من ذنب أرفع رأسي شامخًا به. وبعد فترة وجيزة من اعتقاله، نُقل أبي لمستشفى الشفاء لإجراء عملية جراحية، الدبابات تحاصر المكان، والجيش يحصّن المشفى، وكأن الذي يحاصرونه عالم نووي يخافون أن يخترع قنبلة نووية تفجر كيانهم، لكن لو كان عالم لتم تصفيته بصمت.

قليل من الوقت، وبدأت العملية الجراحية، ثم مرت ساعات ولم يخرج طبيب ولا ممرض ليخبر أحدًا من أقاربي عن مصير أبي، حتى اكتشفوا أن جثمانه قد خُطف ليُرحل الى مشرحة في حيفا، ليسرقوا أعضاءه! لم يسرقوا أرضه وحريته فقط، بل اقتحموا جسده وسرقوا أعضاءه، وأرسلوه إلينا يملأ جسده القطن، ويُمنع علينا إدخال جثمانه إلى البيت، وأن لا يمشي في جنازته إلا خمسة عشر شخصًا، فكانت الجيبات العسكرية تحاصر جنازته حتى دُفن. هذه قصة جدك يا صغيري، مجرد ذكرى، وكم من ذكرى غيره تملأ قلوب الفلسطينيين، وكم من ألم تجرعناه إلى يومنا هذا.