بنفسج

يمكن أن نجعل عالمهم أفضل.. رسالة أم

الثلاثاء 05 يناير

تقع الأسرة في الفترة الزمنية التي نعيشها، ليس فقط تحت وطأة مجتمعات مثقلة ومرهقة إثر التحولات السياسية والاجتماعية في الوطن العربي، بل كذلك وسط تدافع مجموعة من الأفكار والتجارب التعليمية التي تسعى كل منها جاهدة في إثبات صحة اختيارها.

لا بأس في ذلك، شريطة أن يضع كل منا تجربته على طاولة الاجتهاد، ويسعى الجميع لإحياء التعليم الجيد الحر في أوطاننا من جديد. ليس هناك أسوأ من أن تجدي نفسكِ طرفًا في تجارب تعليم سيئة لا تتناسب مع حجم التحولات من حولك. بمعنى آخر، ليس هناك أسوأ من أن يحصل طفلك على تعليم سيء في واقع مضطرب، وقدم مقيدة على أرض متأرجحة.

فهل هناك تعليم جيد وآخر سيء؟ ومن الذي يحدد أن هذا الطفل يتعلم تعليمًا جيدًا؟ وبالتالي، سيصبح متعلمًا ممتازًا، وذاك سيئًا، ومن ثم سيصبح ضعيفًا؟  للإجابة عن هذين السؤالين، ينبغي أن نتحرر من التصورات الجاهزة المفروضة، لرحابة الإنسانية، ورؤية أكثر سعة لمفهوم التعليم والتعلم. إذا كان التعليم هو مرحلة زمنية يمرّ من خلالها أطفال اليوم للغد، فإن التعلم هو البذور الحية التي نغرسها في شخصياتهم لتثمر في مستقبلهم، من خلال اتجاهاتهم نحو التعلم.  

| البذور الحية

طفلك ليس بحاجة لكي ترسمي له مستقبله، بل بحاجة للمساعدة حتى تجهزينه لمستقبله، بما يناسب زمانه، ومكانه، وشخصه. ليست الاختبارات ولا العلامات هي التي ستخبركِ بمدى نجاح ونجابة طفلكِ.
 
 لكن ربما قدرته على مواجهة انكساراته، قدرته على التعبير عن نفسه، حبه للمغامرة وكثرة السؤال، اكتشاف اهتماماته ومساعدته على تطويرها. 

وإذا كان التعليم هو المجهود الذي يبذله معلم الأطفال ليحاول إكسابهم بعض المفاهيم الممنهجة والمقيدة، فإن التعلم هو انعكاس هذه المفاهيم الحرة، وتأثيراتها على عقولهم، من خلال طريقة التدريس. يمكن القول إن الجيل الحالي من الأطفال بحاجة إلى سعة، وحرية تناسب حجم التحولات الماثلة من حولهم؛ أن تغرس الأسس دون أن تعبث باحتياجاتهم في الثقة والتفرد؛ أن تؤسس الأسرة لنظام قيميّ ينشأ عليه الطفل يحميه ويصقل شخصيته عندما يخرج للمدرسة أو أي نشاط اجتماعي، دون أن ينغلق على ذاته.

مرة أخرى، من الذي يحدد أن هذا الطفل يتعلم تعليمًا جيدًا، وبالتالي سيصبح متعلمًا ممتازًا، وذاك سيئًا، ومن ثم سيصبح ضعيفًا؟  تعرف الإجابة من خلال السؤال عن الهدف، فإذا لم يتحقق، ضل وأضل. عندما تضعين نصب عينيكِ الهدف من تعليم طفلك، ستطوعين الطرق والأدوات والمناهج لتحقيق هذا الهدف، فلا مقارنة مع الآخرين، ولا توقعات تفوق مستواه. فالجيد والسيّء مرهونان بمدى قدرته على استيعاب حدود طفلك، وتلبية حاجاته لبلوغ أقصى قدراته. بل وبناء شخصيته بالطريقة السوية التي لا تعيق تطوره النفسي؛ وذلك من خلال احترامه وتقديره دون سبّ أو إهانة. فأينما وجدت هذه البيئة الداعمة لطفلك الصغير، اجعليها مدرسته.

 لكن التعليم هو التعليم، سواء تلقاه طفلكِ في المنزل، فكان تعليمًا منزليًا، أو في المدرسة فكان مدرسيًا، أو بأي شكل كان. المهم ألا تلومين نفسك على اختيار حاولت فيه جاهدة أن تراعي زمانك، ومكانك، واحتياجات طفلك قدر المستطاع.

طفلك ليس بحاجة لكي ترسمي له مستقبله، بل بحاجة للمساعدة حتى تجهزينه لمستقبله، بما يناسب زمانه، ومكانه، وشخصه. ليست الاختبارات ولا العلامات هي التي ستخبركِ بمدى نجاح ونجابة طفلكِ، لكن ربما قدرته على مواجهة انكساراته، قدرته على التعبير عن نفسه، حبه للمغامرة وكثرة السؤال، اكتشاف اهتماماته ومساعدته على تطويرها. شخصية طفلك هي التي ستخبرك إلى أي مدى سيصبح متعلمًا جيدًا أو سلبيًا في مدرسة الحياة.  

عليك أن تتذكري أن هناك رادارًا يسجّل حركاتكِ، وسكناتكِ، ويردد كلماتكِ، ويكرر أفعالكِ، حتى هفواتكِ لا يتركها تمرّ جزافاً. أن تختبري قدرتكِ على الثبات، وإخفاء هزائمكِ الصغيرة، وإنهاء مهماتكِ اليومية؛ من أجل مشاركة الحياة مع طفلك الصغير. أو أن تُبدي تفهّمًا أكبر أمام الهزائم الكبيرة؛ حينما تعجزين عن مواصلة دراستكِ أو عملكِ لعام أو بضعة أعوام، إلى حين تمكنك من مواصلة السير بسلام في ظلّ وجوده.

أن تبدي أكثر تماسكًا أمام معاناة العالم وأحداثه المضطربة، لتستطيعي تنشئة وعيه على حقيقة الوجود ومفاهيم الحياة، والإنسانية، والحب، والعيش السويّ. لكن التعليم هو التعليم، سواء تلقاه طفلكِ في المنزل، فكان تعليمًا منزليًا، أو في المدرسة فكان مدرسيًا، أو بأي شكل كان. المهم ألا تلومين نفسك على اختيار حاولت فيه جاهدة أن تراعي زمانك، ومكانك، واحتياجات طفلك قدر المستطاع.