منذ حرب الإبادة التي مورست على غزة لما يقارب العامين، باتت السجون الإسرائيلية أحد أقسى ميادين المعاناة الفلسطينية، ولا سيما بالنسبة للأسيرات اللواتي يواجهن ظروفًا شديدة القسوة، تتجاوز قواعد القانون الدولي الإنساني والوثائق الدولية. تُحتجز الأسيرات تحت إجراءات مشددة، وتقييد شبه دائم، ونقص صارخ في الاحتياجات الأساسية، في ظلّ سياسة ممنهجة لإضعافهن معنويًا وجسديًا. ورغم ذلك، تشكّل الأسيرات الفلسطينيات واحدة من أكثر الحلقات صلابة في الحكاية الوطنية؛ نساء يحفظن في قلب السجن سرديات الكرامة، ويبتكرن أشكالًا صغيرة من الفرح في مواجهة القمع.
في هذا السياق، يؤدي الناشط والكاتب حسن عبّادي دورًا محوريًا من خلال زياراته الدورية إلى الأسيرات، ومحاولته كسر العزلة التي تفرضها إدارة السجون عليهن. زياراته ليست تقنية أو إعلامية فقط؛ إنها أشبه بفسحة إنسانية تسمح للأسيرات بالتنفّس، وتبادل الرسائل مع الخارج، وتوثيق ما يجري خلف الجدران. رسائله وكتاباته تحوّلت إلى ذاكرة حيّة تكشف ما لا يراه العالم، وتعيد للأسيرات جزءًا من أصواتهن المسلوبة.
وفي زيارته الأخيرة إلى سجن الدامون في 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، حمل عبّادي وصفًا دقيقًا ومؤلمًا لحياة الأسيرات عبر لقاء خاص مع الأسيرة حنان صالح عبد الله البرغوثي، المعتقلة إداريًا منذ 30 أيلول/سبتمبر 2025. حنان، ابنة قرية كوبر، من مواليد 1964، أم لتسعة أبناء وجدّة لسبعة عشر حفيدًا، دخلت غرفة المحامين ووجهها يضيء رغم السجن، وقالت قبل التحية: "كل البنات بسلّمن عليك… أنت النفَس لكل البنات."
"أنت النفس لكل البنات"

تصف حنان واقع السجن بكلمات بسيطة لكنها شديدة القسوة: "صقعة كثير… فش حرامات… الأكل زفت… والمسبّات طول الوقت. بنات ما مشطّن شعرهن من سنة". وفي روايتها تتجلى التفاصيل اليومية التي تحوّل حياة الأسيرات إلى صراع شرس من أجل الحفاظ على آدميتهن. التفتيشات المتكررة، العقوبات الجماعية، الإهانات، الضرب، الحرمان من الاحتياجات الأساسية، كلها جزء من واقع مرير تخوضه الأسيرات.
وتكشف حنان أن إحدى الأسيرات ضُربت على رأسها حتى نزفت ساعات طويلة بعد أن طلبت فقط تخفيف الكلبشات، في ما تنام إحدى عشرة أسيرة في غرفة صغيرة تضم ستة أسرّة فقط، ما يدفع خمساً منهن للنوم على الأرض.
تتحدث أيضًا عن قمع الأسيرة شيرين لأنها تأخرت في الحمام، وعن حفلات صغيرة تصنعها الأسيرات رغم كل شيء، مثل حفلة عيد الميلاد التي أعدتها الأسيرات ليان ناصر وبنات غرفتها. تسرد الأحداث بانكسار حين تقول إنهم "قرفصوهن في الساحة"، وضُربت هي نفسها ببسطار أحد السجّانين على رأسها.
وتعيش الأسيرة حنان في غرفة 5 إلى جانب مجموعة من الأسيرات هنّ: ماسة غزال، انتصار عواودة، بشرى قواريق، سلام كساب، سماح حجاوي، تسنيم عودة. يبتكرن لحظات فرح مقاوم، مثل "فستان العرس" الذي خاطته سماح من غطاء الشاباص، وارتدته الأسيرات في لحظة رمزية احتفاءً بترويحة إحداهن.
اعتقال لكل العائلة

كما وجّهت حنان سلاماتها إلى عدد من الأسيرات الأخريات: ياسمين شعبان، آية عقل، شاتيلا أبو عيادة، ربى دار ناصر، سالي، هناء، وأوصت بأن تُقرأ سورة لقمان لأبنائها، وأرسلت رسائل خاصة لزوجها الذي "تحمل حضنه الأخير معها العمر كلّه"، ولابنها إسلام وخطيبته سحر.
وفي لحظة موجعة قالت: "الحبسة اللي فاتت كنّا كلنا بالسجن… أنا وزوجي وولادي". ثلاثة أعياد ميلاد متتالية قضتها خلف الجدران، لكنها تقول لعبّادي مودّعة: "والله زيارتك كأني روّحت ع الدار".
زيارة عبّادي لم تكن مجرد لقاء عابر، بل نافذة يطلّ عبرها العالم على ما يجري. وفي سيرة حنان وصديقاتها تتبدّى صورة كاملة عن واقع الأسيرات الفلسطينيات: العتمة التي يحاولن تقليصها، والبرد الذي يواجهنه بالتماسك، والظلم الذي يعالجن قسوته بالحنين، والكرامة التي يكتبنها رغم كل محاولة لطمسها.

