سمعت الانفجار وهو يقع بالقرب من بيتها. تجمّدت نور الهدى في مكانها لثوانٍ، ثم ركضت برفقة زوجها تبحث عن طفليها أحمد ورشا. عند وصولها، وجدت طفلها أحمد معلّقًا على سيخٍ حديدي. عرفته من شعره فقط؛ فقد تهشّمت ملامحه جرّاء القصف. صعدت إلى سيارة الإسعاف مع طفلها الممدّد بلا حراك، تشاهده في حالة كادت أن تُفقدها عقلها. كانت تظنه حيًا، رغم أن المشهد الماثل أمامها كان يقول باستحالة ذلك.
في المشفى، حمله الطبيب، ثم قال بهدوء ثقيل: "البقاء لله". كان الخبر صاعقة. تمسّكت بالأمل حتى آخر نَفَس، ركضت نحو الصغير تقبّله، لم تصرخ ولم تجزع، كانت تردّد ودموعها تسيل كنهر جار: "حبيبي يا ماما، روحي يا ماما".
في الجهة المقابلة، كانت طفلتها رشا تنازع أنفاسها الأخيرة. في تلك اللحظة، فقدت نور الهدى طفليها معًا، وتجرّعت ثقل كأس الفقد المرير. هنا، تفتح نور الهدى النبيه دفتر الفقد لنا. في صفحته الأولى كُتب "طفلاي أحمد ورشا"، تحدّثنا عن شعور قرب الأجل من قلب طفلين، عن رعشة قلبها المفاجئة قبل رحيلهما، عن يوم الوداع، وما تلاه من وجع في غياب الروح عنها.
يوم الوداع الأخير

قبل استهداف البيت بيوم واحد، لم تنم نور الهدى مطلقًا. كان قلبها يؤلمها بشدّة، شعرت أنها تسير نحو المجهول، وأن مكروهًا سيحدث، لكنها لم تتخيّل يومًا أن يصيب المكروه طفليها الوحيدين. في صباح اليوم التالي، اصطحبت ابنها أحمد إلى السوق. قرّرا شراء الكوسا والباذنجان لإعداد المحشي. ورغم أن الأسعار كانت مرتفعة جدًا، ردّدت في نفسها: "زمان ما أكلوا الولاد، خليهم يشبعوا هالمرة".
تناولت العائلة الغداء وسط مشاكسات أحمد ورشا. وفي المساء، اقترح زوج نور الهدى أن يذهبا في زيارةٍ خاطفة إلى والدته. رفضت في البداية، لكنه أصرّ. عند الخروج، قالت الصغيرة رشا لوالدها: "أنت كل حياتي يا بابا".
بقيت رشا في البيت تدرس في غياب والديها. اتصلت بوالدتها لتخبرها أن الإنترنت ضعيف جدًا، وأن فيديو مادة العلوم لم يُحمَّل. فجأة، بدأ القصف. لم تُدرك نور الهدى أن الاستهداف طال بيتها. وحين اقتربت، وجدت ابنها أحمد معلّقًا على سيخ حديدي. عرفته من شعره، وصرخت: "هذا ابني… أعطوني إياه".
تقول بصوت متحشرج: "كان المشهد قاسيًا عليَّ وعلى والدهم. أحمد، صغيري، جسده ممزق، رأسه مهشّم، ورموشه محترقة. كنت أقول سيُعالج ويصبح بخير، رغم أن كل شيء كان يقول إن هذا الطفل شهيد، وإن الأمر قد قُضي".
وداع قاس

بينما كانت نور الهدى تعانق بقايا جسد صغيرها أحمد، كانت تظن أن طفلتها الثانية ما زالت على قيد الحياة. لم تتخيّل أن امتحان الله سيأتيها في الاثنين معًا. تضيف: "طلبت توديعها وتقبيلها، لكنهم رفضوا الكشف عن وجهها. أصريت على رؤيتها، فوجدت أن وجهها لم يتبقَّ منه إلا خد واحد، وهو الخد ذاته الذي طلبت من والدها أن يقبّلها منه قبل استشهادها مباشرة".
في المقبرة، دفنهما والدهما بيديه. وبينما كان يهيل التراب عليهما، كان يقول: "يا أحمد ورشا، حبايب قلبي يا بابا، إذا جاتكم الملائكة تسألكم من ربكم، قولوا ربنا الله، من رسولكم، رسولنا محمد، ما دينكم، ديننا الإسلام".
كلما تذكّرت نور الهدى ذلك المشهد، بكت بحرقة، وتتساءل: "كيف لأبٍ أن يفعل ذلك؟ كيف نحتمل فراقهما معًا؟ كيف يغادره وجه رشا وهي تدلّله ليقبّلها؟ وكيف لي أن أعيش دون أحمد، دون ضحكته الجذّابة ووجه رشا البشوش؟"
قبل يومين من استشهادهما، طلبت رشا من والدتها أن تذهب لحفظ القرآن في مدرسةٍ مجاورة خصصت وقتًا لتحفيظ الأطفال. رفضت نور الهدى خوفًا على الصغيرة، وتقول: "نسيت أن أينما تكونوا يدرككم الموت، فاستشهدت داخل البيت الذي كنت أظنه آمنًا".
أحلام لم تكتمل

كان الطفلان يصرّان في كل وجبة طعام أن تكون اللقمة الأخيرة من نصيب والديهما. تردف نور الهدى:"عاشا معنا أيامًا قاسية بين نزوح وتجويع. خرجنا معًا من تحت القصف. حتى أن رشا كانت تدعو على نفسها وتقول: (يارب استشهد). أما أحمد، فأخبرني قبل استشهاده بيومين أنه خائف، وأن قلبه منقبض. عندها أدركت أن الإنسان يشعر بقرب أجله".
وفي استرجاع الذكريات، تضيف: "قبل نحو عشر سنوات، كنت أنا وزوجي نمشي مسافة كيلومترين ونحملهما لنوصلهما إلى الروضة ذهابًا وإيابًا، لأننا لم نكن نملك أجرة المواصلات. أدركت لاحقًا أن ذلك كان رحمة من الله، لنكون معهما وقتًا أطول، نضحك ونمرح ونصنع الذكريات التي أعيش عليها اليوم".
حرصت نور الهدى على أن يحفظ طفلاها القرآن؛ فحفظ أحمد خمسة عشر جزءًا من كتاب الله، وكانت رشا سريعة الحفظ حتى لقّبتها بالشافعي. كان الفارق العمري بينهما أحد عشر شهرًا فقط، لكنهما بدوا كتوأمين، يرتديان الملابس ذاتها، ويشتركان في الألوان نفسها.
اقرأ أيضًا: فاطمة البلتاجي: أم المؤنسات الشهيدات الصغار
تتابع نور الهدى: "كانت رشا تحلم منذ صغرها أن يكون لها قصور كثيرة، وأن تصبح معلمة وتدرس الدكتوراه مثلي. أما أحمد، فكان يحلم أن يصبح طيارًا أو شرطيًا. أفتقدهما وأفتقد أحلامهما البسيطة. أحتاج إلى صوت أحمد وهو ينشد لي، وإلى روح رشا الخفيفة التي كانت تمنحني الحب".
لم يتبقَّ من رائحة رشا وأحمد سوى محفظته، وساعته، ومصحفه الذي ما زالت عليه آثار من بقايا دماغه، ودفتر مذكّرات رشا، وساعتها، وألوانها. تختم والدتهما: "كانا رفاق أولاد عمومتهم. اليوم يذهب الأطفال إلى قبرهما بشكلٍ دوري. ابنة خالتها سارة تبكي رشا حتى في ذكرى ميلادها، اشترت لها هدية وقدّمتها لي، وتخبرني أنها تزورها في المنام. كل من عرفهما يبكي على فراقهما، ويبكون معي".

