في كل ليلة، حين تغفو المدينة، أفتح نوافذ ذاكرتي، فتنهال عليّ مشاهد النزوح الأولى كما لو كانت بالأمس. لا يبهت الألم، ولا يُمحى الأثر، وكأن القلب يعيد تمزقه في كل مرة أسترجع التفاصيل. كنا في بيتنا، نمارس الحياة كما يليق بها أن تُمارَس، نلوذ بأمان الأركان التي حفظت ضحكاتنا، إلى أن اجتاح الصمت المكان عقب انفجار هزّ جدران الحيّ. لم يكن لنا نصيب من الإنذار ولا فرصة للاستعداد. استُهدف بيت الجيران، وتناثرت الشظايا، فتشظّت معها طمأنينتنا. اهتزّت الأرض تحت أقدامنا، لكن القلب هو الذي انشقّ بصمت موجع لا يُرى.
ومن تلك اللحظة، بدأنا رحلة التيه الأولى، إلى الشيخ رضوان… إلى حيث قيل إن الأمان هناك. حملنا ما تبقّى منّا ورحلنا. لكن خيبتنا لم تتأخر؛ فبعد أيام فقط، أُبلغنا بالإخلاء مجددًا. للمرة الثانية، تُجتث الجذور، ويُعلَّق المصير على حبال المجهول. ظننا أن كل الأبواب قد أُغلقت، وأن لا مفر، لكن رحمة الله كانت أوسع من الظنون، ففررنا إلى الجنوب، إلى خان يونس، بحثًا عن ملجأ لأرواح أنهكها الفرار المتكرر. لم نكن ندرك أن الجنوب سيغدو وجهًا آخر من الحكاية، وأن التأزم هناك سيصير أشدّ.
في تلك اللحظات، لم يكن السؤال فقط عن مأوى، بل عن سبب هذا الاختبار القاسي. همست لنفسي بألم: لماذا اختارنا الله لهذه المحنة التي تكاد تُطيح بأعمدة الصبر فينا؟ ألسنا بشرًا؟ أليس لهذا القلب طاقة وحدود؟
كل نزوح كان يترك ندبة. لا في الجسد، بل في الروح. وكل منطقة قصدناها حَملت معها حنينًا قاسيًا للتي قبلها، وكأننا نبحث عن أنفسنا في بقعٍ من أرضٍ لم تعد تأوينا. لم نفقد الأمل لأننا تعبنا، بل لأننا أرهقنا من طرق كل الأبواب بحثًا عن مأوى، وكلما سألنا: "هل من مكان يسعنا؟" كانت الإجابة نفسها تُصفع في وجوهنا: "ممتلئ".
في تلك اللحظات، لم يكن السؤال فقط عن مأوى، بل عن سبب هذا الاختبار القاسي. همست لنفسي بألم: لماذا اختارنا الله لهذه المحنة التي تكاد تُطيح بأعمدة الصبر فينا؟ ألسنا بشرًا؟ أليس لهذا القلب طاقة وحدود؟ لكنني تراجعت سريعًا، لأن الله لا يُخطئ في اختياره، ولأن الامتحان على قدر الإيمان. الله لم يخترنا لأننا ضعفاء، بل لأنه يعلم أن فينا قلوبًا لا تنكسر، وأرواحًا ولِدت من رحم المعاناة، وقادرة على الوقوف حتى بعد الانهيار.
نحن شعبٌ جبار، كُتب علينا أن نحيا في نُدوب متراكبة، ومع ذلك لا نُجيد إلا النهوض. خضنا نزوحًا بعد نزوح، ووراء كل خطوة كان هناك قهرٌ أكبر، وأملٌ أصغر، لكننا مضينا. حين أتحدث عن معاناة النزوح، لا أكتب مجرد سرد، بل أفتح صدرًا ممتلئًا بالألم، قلبًا لا يزال يحمل صدى الأصوات، ورجفة الأرض تحت الأقدام، وخوف الأطفال وهم يركضون لا يعرفون إلى أين.
اقرأ أيضًا: نور الهدى النبيه: أي ذاكرة أحملها وقد شهدتُ مقتل طفلاي؟
بعد كل هذا، وصلنا إلى النصيرات. تلك البقعة التي ظننا أنها استراحة من كل ما مضى، لكنها كانت كغيرها… مكان آخر نحمل فيه تعب أجسادنا، ونخبئ فيه قلقنا، ونحاول فيه أن نؤمن أن هذه الغمامة ستنقشع. كان الشعور ثقيلاً ومؤلماً... أن تكون في بيتٍ ليس بيتك، حتى وإن دفعته من مالك، وحتى إن أغلقته بمفتاحك. لأن البيت ليس بناءً فقط، بل روحًا تنتمي إليه، ودفئًا لا يُشترى، وانتماءً لا يُصطنع.
نزحنا ونحن نعلم أن المكان الجديد لا يشبهنا، لكننا مجبرون… أجبرتنا الحرب، لا خيارات أمامنا سوى الفرار. وعندما اشتدت نار الحرب، حملنا أنفسنا نحو الزوايدة. وهناك، بدأنا نحسب أعمارنا بالدقائق، حرفيًا. مع كل ارتجاج للأرض، كانت أرواحنا تتأهّب للمغادرة، نرفع أكفّنا ونتلو الشهادة، وكأن نهاية العمر تُكتب في كل ثانية.
ما شهدناه لا تصفه الكلمات. كانت مشاهد تفوق الوصف، تفترس الخيال قبل أن تمسّ الواقع. كلما اشتعل فانوس إنارة، اشتعلت قلوبنا قبل المكان. لم نعد نفرّق بين الضوء والموت. بلغ الألم أن أطفالنا باتوا يميّزون أصوات الطائرات، وأنواع القذائف، وأسماء الآلات التي وُجِدت فقط لقتلهم.
لم نعد نخاف لأنفسنا، بل على قلوب إخوتنا الصغار، وعلى أعين الأطفال التي رأت من الرعب ما لا يُحتمل. ما ذنبهم أن يكونوا شهودًا على كل هذا الدمار؟ ما ذنبهم أن يحفظوا أشكال الموت بدلاً من حروف الأبجدية؟ حين ضاقت علينا الحياة، فررنا مرة أخرى، نحو دير البلح. كانت أخف ألمًا من سابقاتها، لكنها لم تكن حياة. كانت قلوبنا تبكي... لا وقتًا بعد وقت، بل لحظة بعد لحظة، بوجعٍ لا يُقاس، وحنين لا يُطاق.
لم نعد نخاف لأنفسنا، بل على قلوب إخوتنا الصغار، وعلى أعين الأطفال التي رأت من الرعب ما لا يُحتمل. ما ذنبهم أن يكونوا شهودًا على كل هذا الدمار؟ ما ذنبهم أن يحفظوا أشكال الموت بدلاً من حروف الأبجدية؟
نبكي على بيوتٍ لم نغادرها طوعًا، بل حُمِلنا منها قسرًا، وعلى مدينتنا التي تركناها وسيف الخوف على أعناقنا. خرجنا حاملين أرواحنا على كفوفنا، وليس فينا من يجرؤ أن يلتفت… فهل يُعقل أن يُنتزع الإنسان من جذوره ويُلقى في خيام؟ هل هذا يُسمى عدلًا؟! أي قلب يملكه هذا الاحتلال ليرى الأطفال يبكون، والنساء يصرخن، والشيوخ يرتجفون من البرد والخوف، دون أن يرتجف؟ نبكي نحن... وهم لا يهتزّ لهم جفن.
أقسم لكم، لو كنا نناشد الحجر لبكى… لو كان الصخر ينطق، لصرخ بأسمائنا، ولحكى حكايتنا المذبوحة على أرصفة الغياب. لكن العزاء الوحيد الذي يسند أرواحنا، أننا نؤمن: *"الله معنا."* وفي كل وجع، وفي كل مأساة، هناك حكمة، وهناك أجر لا يضيع عند العادل الحقّ. نحن أصحاب قضية، وأصحاب حق… والله لا يُسلم الحقّ ولا يخذل أصحابه.
وأخيرًا، أُعلن عن هدنة مؤقتة… هدنة لا تشبه السلام، لكنها تشبه استراحة الجريح من النزف، لا أكثر. امتزجت مشاعرنا ما بين الفرح والخذلان… كنا نبتسم، لكن بعيون دامعة. فرحنا لأننا سنعود… لا إلى البيوت، بل إلى الركام… لا إلى الجدران، بل إلى الذكريات… إلى الحارة المنكوبة، إلى الظلال التي كانت يومًا سقفًا.
وحين عدنا، لم نجد بيوتنا… بل وجدنا رمادًا، وسطورًا من وجعٍ محفور في المكان. ورغم ذلك عدنا. لأن العودة، حتى على الأطلال، أهون من حياة لا تشبهنا.. ذهبنا في زيارة إلى بيتنا… ويا الله، أي شعور هذا الذي يعجز عنه الكلام؟ وقفت هناك، لا أرى سوى ذكرياتي تنهار تحت الركام، فبكيت…
بكيت وكأنني أرثي روحًا خرجت من الجسد، وكأن كل حجر هو نبضة من قلبي توقفت.
كل زاوية من زوايا البيت كانت تحكي… تحكي عن طفولتي، عن لحظات الدفء، عن الضحكات التي كانت تملأ المكان. هذا لم يكن مجرد بيت… بل كان موطنًا للفرح، للفخر، للحياة الراقية التي صنعناها بحبنا وتفانينا. كان بيتًا فخمًا، ليس في جدرانه فحسب، بل بأهله… نحن من منح المكان روحه، نحن من أحييناه… عائلتي، بكل ما تملك من طُهر وقيمة، كانت تسكن ذلك الركن من العالم، وتمنحه الحياة.
ورغم ما فُقد، لا زلت أؤمن… أن ما ينتظرنا في الآخرة، *بيت لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر.* هناك سنقول: "ليتنا ما بكينا على دنيا زائلة، فالفردوس خيرٌ وأبقى." لكن ما إن بدأنا نلملم أشلاء الحنين، حتى جاء صوت الإخلاء من جديد… *للمرة التاسعة.*
وكأننا نُطرد من ذاكرتنا مرارًا، وكأن الأرض كلها تضيق على قلوبنا، وكأننا ضيوف حتى على حنيننا. وهنا، بقينا حتى آخر رمق، حتى لفظت الأرض أنفاسها، فخرجنا… خرجنا بأعينٍ باكية وقلوبٍ تمزّقت، خرجنا جسدًا… لكن أرواحنا ما زالت هناك، معلّقة في زوايا البيت، في حجارة الدرج، في رائحة الفجر المتسلل من النوافذ.
ما أردنا الرحيل… لكننا أُجبرنا عليه. خرجنا لا رغبة، بل نجاة… حفاظًا على أرواحنا وأرواح من نحب، شددنا الرحال إلى أرض الشنطي. أربعة أيام فقط… لكنها كانت كافية لتهزم أعوامًا من التحمل. ولو نطقت أنفسنا، لانفجرت بالبكاء قبل أن تجد الكلمات. لكننا تجاوزنا… تجاوزنا بما تبقى فينا من فتات الصبر، تجاوزناها بكل ما في قلوبنا من يقين أن الله لا يترك عباده. ثم جاء نداء الإخلاء مجددًا… وعُدنا من جديد إلى الزوايدة، كأننا نُلقي بأرواحنا في حلقة لا تنتهي من الوجع والترحال.
نكتب، لا لأن الحروف تداوي، بل لأننا نؤمن أن من بين الحطام تولد الحكايات ،وأن أرواحنا أكبر من النكبات،وأننا رغم كل ما فقدنا ،لم نفقد يقيننا بأن الغد ،وإن تأخر،آتٍ بإذن الله.
وها أنا اليوم، أكتب… أكتب لا لأبكي على الأطلال، ولا لأستجدي العطف، بل لأُشهد العالم أن هنا… في هذه الأرض… نشأ جيل جبار، جيلٌ تخطّى الألم واحتضن الحياة رغم الحصار، جيلٌ صنع من الركام معنى للكرامة والصمود فكل يوم نعيشه، لا أحد يعلم كيف يكون ختامه، ولا أين تأخذنا خُطانا، ولكننا نُسلّم أمرنا لربّ عظيم، نثق بأنه يختار لنا الخير حتى لو خفي علينا شكله الآن.
تُطفئ الأيام نورها أحيانًا، لكنها لا تطفئ نور اليقين بداخلنا… نعم، إننا في نزوح، مشردون عن بيوتنا، منفيون عن تفاصيلنا، لكننا ثابتون، صابرون، صامدون… لأننا نعلم أن بعد كل ضيق فرج، وبعد كل كرب فرحة تنتظر.
تعلّمنا أن لا نربط الطمأنينة بالمكان، بل بالله… وأن نعيش على وعد "كن فيكون"، فحين يأذن الله، يتبدّل الحال في لحظة، وتُردّ الأرواح إلى نبضها، والأحلام إلى طريقها، والقلوب إلى موطنها. نحن هنا، من قلب النزوح، نكتب بمداد الصبر، ونشهد أن الله اختارنا لحكمة، وابتلانا ليرفعنا، وجعل منّا قدوة لأجيال لم تولد بعد.
وهذه الكلمات ليست مجرد سرد، بل شهادة حياة . شهادة على أن الفلسطيني لا يُكسر ،حتى وإن تكرر اقتلاعه ألف مرة. نكتب، لا لأن الحروف تداوي، بل لأننا نؤمن أن من بين الحطام تولد الحكايات ،وأن أرواحنا أكبر من النكبات،وأننا رغم كل ما فقدنا ،لم نفقد يقيننا بأن الغد ،وإن تأخر،آتٍ بإذن الله.

