في الحروب لا تُقصف المباني وحدها، بل تُستهدف الفكرة التي تقف خلفها، وحين تنهار الجدران يبقى السؤال الأعمق: هل يمكن للمعنى أن ينجو حين ينهار المكان؟ في غزة، حيث لا تُمنح المشاريع فرصة الاكتمال، وحين يصبح البدء من جديد فعلًا قسريًا لا خيارًا، تظهر قصص نساء لا يعاودن البناء لأن الظروف مواتية، بل لأن التوقف يعني الفقد الكامل للمعنى. تسنيم دحلان واحدة من هؤلاء؛ لا تروي قصتها عن شركة دُمّرت فحسب، بل عن محاولة واعية لإنقاذ ما هو أبقى من الجدران: الإنسان نفسه.
قبل القصف: فكرة تتشكّل

تقول تسنيم: "أسست شركتي الخاصة «أوتار تيك» عام 2022 كمركز برمجيات وتدريب تقني، وقدّمت خلال فترة قصيرة أنظمة محوسبة وتطبيقات مالية وصحية وإدارية لعملاء من خارج غزة". تُردف: "إلى جانب ذلك، عملت الشركة على تدريب عشرات الشبان والشابات في مجالات التقنية، والتسويق الرقمي، والعمل الحر، بالتعاون مع مؤسسات عدة، من بينها حاضنات أعمال وجهات تشغيل رسمية".
لم يكن التدريب بالنسبة لتسنيم هدفًا قائمًا بذاته. تقول: "كنت أؤمن أن التدريب الحقيقي هو الذي ينتهي بفرصة عمل، لا بشهادة مُعلّقة. لهذا درّبت الشركة طلبة في سنتهم الجامعية الأخيرة، وشكّلت منهم فريقًا برمجيًا وتسويقيًا متكاملًا، ثم وقّعت لهم عقود عمل فعلية على مشاريع الشركة".
قبيل الحرب بأسابيع، استأجرت تسنيم مقر الشركة مطلع تشرين الأول/أكتوبر 2023. كان المكان جاهزًا لبداية جديدة، لكن البداية لم تأتِ. تقول: "لم أكن قد باشرت العمل فعليًا من المقر. كنت أرتّب التفاصيل وأتخيّل أيامًا مليئة بالحركة والطاقة. مكتبي كان في الطابق السابع، وكل شيء كان يوحي بأن مرحلة جديدة على وشك أن تبدأ، ثم جاء القصف، وقُصف المبنى بالكامل". وبقي الأمل، كما تقول، حتى اللحظة الأخيرة، بأن ينجو المقر أو يبقى شيء يمكن العودة إليه. لكن الأبراج العالية لم تنجُ، ومقر «أوتار» لم يكن استثناءً.
اقرأ أيضًا: الكاميرا تحت القصف: السينما الوثائقية كفعل مقاوم في غزة
في الهدنة الأولى تمكّن فريق الشركة من الوصول إلى المكان، وأخرجوا ما تبقّى من المكاتب قبل أن تتعرض للسرقة، ونُقلت إلى مقر احتياطي شرق غزة. لكن الحرب لم تتوقف عند ذلك الحد. فمع موجة النزوح الثانية وجدت تسنيم نفسها أمام قرار جديد: نقل الأثاث والمعدات إلى خان يونس، وافتتاح مقر بديل بعد أن أصبح مقر غزة في منطقة خطر وإخلاء.
في كلا المرتين لم يكن التحدي لوجستيًا فقط، بل وجوديًا أيضًا. توقفت المشاريع البرمجية، وتوقفت برامج التدريب، إذ أعادت الحرب ترتيب الأولويات، ودفعت الناس نحو العمل الإغاثي على حساب أي مسار تنموي.
تبدّل الشكل لا الجوهر

أمام هذا الواقع تغيّر شكل «أوتار». تحوّلت من شركة برمجيات إلى مساحة عمل توفّر الحد الأدنى مما يحتاجه الناس: إنترنت قوي، كهرباء بديلة، ومكان يحاول أن يكون صالحًا للتعلّم والعمل. تقول تسنيم: "الدافع لم يكن بطوليًا، كنت أريد فقط أن أعود إلى العمل، أن أستعيد نفسي، وألا أسمح لشركة كان لها حضورها أن تختفي لأن المبنى دُمّر".
وتُكمل: "بدأت من الخيمة، ووجدت من يؤمن بالفكرة ويدعمها، لأعيد إطلاق العمل بإمكانات محدودة، ولكن بإصرار كامل". الحديث عن العمل عن بُعد في غزة، كما تقول تسنيم، يبدو أحيانًا مفارقة قاسية. لا كهرباء، ولا إنترنت، ولا استقرار. وتضيف: "فعليًا لم أعد للتدريب بشكل منتظم إلا بعد قرابة عامين من محاولات متقطعة، ومع ذلك ظل الناس هم من يعيدوني في كل مرة".
اقرأ أيضًا: إسراء فروانة: حين يعيد الجرح صياغة الإنسان
من أكثر القصص التي تحتفظ بها تسنيم، قصة فتاة كانت تأتي يوميًا مشيًا من مكان بعيد، تحضر الدورات وتتعلم على جهاز ليس لها، ثم تعود مشيًا. شهور من التعب، من الخيمة، من البرد والحر، حتى حصلت على وظيفة وادّخرت ثمن جهازها الخاص. تقول تسنيم: "حين رأيتها تصل إلى مسمّى وظيفي حقيقي، أدركت أن كل هذا لم يكن عبثًا".
في لحظات كثيرة شعرت تسنيم أن الحرب استنزفت طاقتها وروحها، وأن تأثيرها بات محدودًا. لكن في كل مرة كانت تسمع ممن حولها: "نحن نستمد طاقتنا منك". عندها تغيّرت صيغة الرسالة. لم تعد "أوتار" مجرد شركة، بل مشروع يحمل عنوانًا واضحًا: بناء الإنسان. تقول تسنيم: "في وقت انشغل فيه الجميع بالإغاثة، اخترت أن أعمل على الإنسان نفسه: عقله، مهاراته، ثقته بذاته".
امرأة تحت العبء المضاعف

تعترف تسنيم بأن العبء على المرأة في غزة مضاعف، ومع حياة الخيام صار أثقل. فهي تعمل من الخامسة صباحًا حتى الخامسة مساءً؛ نصف الجهد محاولات، ونصفه أمل بأن تنجح المحاولة يومًا ما. انتقلت من امرأة مستقلة تمامًا، تملك شركة ودخلًا وحياة مستقرة، إلى مرحلة لم تكن تملك فيها شيئًا في جيبها، وكان مجرد الوصول إلى مكان فيه إنترنت تحديًا يوميًا.
اليوم تحاول تسنيم، قدر استطاعتها، أن توفّر للطلاب مساحة عمل مريحة، وأن تبحث عن جهات تدعم اشتراكاتهم، لتخدمهم دون أن تخسر ما تبقّى من مشروعها. لم تصل بعد إلى التعاقد المنشود، لكنها لا تزال تسعى. وفي رسالتها للشباب والنساء تقول: "نحن عشنا الأسوأ، ومن بقي في غزة عليه أن يشق طريقه فيها. نحاول لأجلنا، لأننا نستحق الأفضل، ولأننا فقدنا الكثير، والأجدر بنا أن نعيد بناء أنفسنا بما تبقّى فينا".
في قصة تسنيم دحلان، لا تبدو إعادة بناء الشركة هي الإنجاز الأهم، بل الإصرار على أن الإنسان، حتى في أقسى الظروف، ما زال يستحق أن يُعاد بناؤه.

