بنفسج

أكتب وأنا الناجية من الموت: أمل بين ثنايا الإبادة

الخميس 25 ديسمبر

الناجي من الحرب
الناجي من الحرب

كانون الأول/ ديسمبر، رُبما يعني للبعضِ نهاية العام، لكنّه لكثير من أصحابِ الهمم بداية عهدٍ جديد مع الحياة لأنْ تكونَ النفس في بدايةِ العام الآتي أكثر نجاحًا، وأسعد حالًا، كثيرٌ من الناسِ يبدؤون بوضعِ الخطط التي سيُنجزونها، والأحلام التي سيحققونها، والأفكار التي يسعون للقيام بِها، إما بشكلٍ فردي أو جماعي مع رفيق دربٍ، أو أمٍ أو أبٍ أو ربما أخوة ورفقة، هذه الحالة يسعى إليها ليس فقط مَن كان في غزة بل العالم أجمع، لكنّ تلك الحياة وذاك السعي كان في أوجِ لمعانهِ وحماسةِ تحقيقه قبل الحرب.

أما في الحربِ، فكان لنا أماني بسيطة كالعيش مع الأحباب ووجود الخِلان، بقاءٍ بيت أو غرفةٍ مِنه أي شيء المهم سقف يأوينا ولا خيمة تُهيننا، أما أحلامنا التي كانت بعيدة المنال فهي إيجاد قبر حبيب، التعرف على جثة فقيد شهيد وهيهات هيهات أنْ تتحقق وقد مُسحت معالم كثير من القبور، وطال وقت بقاء كل مجهول تحت ركام البيوت، هيهات وكثير من الناس لا يعلمُ بحالِ فقيدهم أحيٌ أسير أم شهيد بلا قبر ولا اسمٍ.

انتهت الحرب كما يزعمون، فأصبحت أمنياتِ نهايةِ عامنا أنْ ننسى ما كان، ونعيشُ ما هو آتْ، أن نرسمَ غدًا مشرق بلا حرب وفقد، أن نطوي صفحات المآسي وحزن الليالي ونكملُ دربًا قد بُتر منذُ السابعِ من أكتوبر ذاك اليوم الذي أُبدلت فيه الحياة فما عادت لنا حياة، نمضي اليوم في صراعٍ لأنْ يكون أكثر راحةً من قبل، نحاول أن نبتكر وسائل معينة تخفف عبء الحياة، نسعى لأن لا يضيع وقتنا وسعينا بين أنين الماضي وقلق الحاضر وخوف المستقبل، يمضي الصيف بتعبه ونستقبل الشتاء بِهَمِهِ.

 تجاوزنا حرارة الصيف ومرارة نقل الماء ولهيب الخيام وشوق النفس للراحة، لم نرتاح بعد، أتى الشتاء حاملًا خوفه الذي لا ينتهي، غرق الخيام وبرد الأجساد، منخفضٍ يتلوه منخفض كيف لنا أن نحيا ونحن ننتقل من نصبٍ إلى نصب، من وجعٍ إلى وجعٍ، نكذبُ على أنفسنا حينما نخترع وسائل معينة للحياة من بقايا ركام بيوتنا التي بُنيت من صحة أجساد آباءنا وأمهاتنا الذين شاب شعرهم وتغيرت ملامحهم وحُنيت ظهورهم حتى وصلوا إلى ما كانوا عليه فجاءت الحرب وسلبت كُل ما بُني بلحظةٍ واحدة.


اقرأ أيضًا: بين الفقد والذكريات: حارسات الحب يكتبن أملًا في صفحات الأمل


 لمْ تُبقِ الحرب لأحدٍ حياته، الأم التي فقدت أبنائها، الأب الذي فقد بيته، الزوجة التي فقدت عائلتها، الابن الذي فقد أمه، الإبنة التي فقدت أبيها، الأخ الذي فقد شقيقه ورفيقه، الحبيب الذي فقد حبيبته، والخِل الذي فقد خليله، كيف لتلك الأفئدة التي تجرعت مرارة الفقد من شتى أنواعهِ أن تعيشَ وقد ودّعت ساكنيها وأحبابها بدمع القلبِ، مُؤلمٌ أن يعيشَ المرء على أنين الذكرى، موجعٌ أن يسير المرءُ في طرقاتٍ جمعته بأحبابه فما عاد المكان ولا ساكنيه، صعبٌ ذاك الشعور الذي يحياه مَن بقيّ هو وبيته ورحل عنه كُل ذويه، أيُّ شعور ذاك الذي يسكنهُ كلما دخله!

أكتبُ وأنا الناجيةُ من الموتِ، لكنني لم أنجو من الأسر، أسر الذكريات التي كل يومٍ تُكبلني وتكويني، بالأمسِ كان لي حياة مليئة بالشغفِ، جميلة بأبي، رائعة ببيتنا ولمتنا، أما اليوم فالحياةُ مليئةُ بالسعي لكي نبقى كما كُنا بقلبٍ أتقى وروحِ أقوى، غاب عنا أبي أمام أعيينا، دُمر بيتنا الذي به حُيينا وتربينا، غابت عنّا ضحكتنا التي ما كنا نخبئها.

نواسي أنفسنا ونُصبرها بأنّ الجنّة مُستراح الصابرين، ونُذكرها بقول الله تعالى لنا:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. نثبت قلوبنا بما أخبر بهِ حبيبنا ﷺ:"اصبروا حتى تلقوني علىٰ الحوض".

 لم نرافق اليأس يومًا ولا سمحنا للضياعِ أن يُلهينا، ولا للحزن الكبير أن يُكبلنا، سلبت منا الحرب كُل جميل وغيّبت عنا كل حبيب وآلامتنا كثيرٌ كثير، أسكنت فينا شعور الضياع في كثيرِ من الأحيان، لكنّ في كل حين وحين كان فينا ينبثق أملٌ لا يغيب وإيمانٌ لا يضيع وثبات لا يميل ويقينٌ بالله الكريم لا يخيب، نؤمن أنّ عسرنا بعده يسر، وضيقنا يعقبه فرجٌ قريبٌ قريب وخوفنا بعده أمنٌ كبير وجوعنا سيبدّل لشبعٍ كثير وكل ما عانيناه في ميزان حسناتنا أجرٌ كبيرٌ كبير بإذن الله لن يضيع.

نواسي أنفسنا ونُصبرها بأنّ الجنّة مُستراح الصابرين، ونُذكرها بقول الله تعالى لنا:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. نثبت قلوبنا بما أخبر بهِ حبيبنا ﷺ:"اصبروا حتى تلقوني علىٰ الحوض". أُذكر نفسي وأهل غزتي رغم خسارات الحرب الكبيرة لكن تاللهِ ما خسر شيئًا مَن رَبح إيمانه وثباته وطهارة قلبه وروحه، بل ربح مَن صبر ونجا مَن رضيّ واحتسب، فاز بإذن الله مَن مع الله عقد تجارة رابحة وباع ما يُحب لِمَن يُحب، وما دام الله معنا فلا خوف ولا تيه ولا ضياع فقط فلنتَصبّر.

وجزى الله الشيخ محمد راتب النابلسي حينما قال: إذا كان الله معك فمَن عليك؟ وإذا كان عليك فمَن معك؟ ويا ربي ماذا فقد مَن وجدك؟ وماذا وجد مَن فقدك؟