كلّما قرأتُ رواية "عائد إلى حيفا" تنساب دموعي تلقائيًا لأنني أدرك تمامًا أن ما كُتب ليس مجرّد حكاية إنسان ووطن، بل واقع ما زلنا نعيشه منذ قرابة سبعة وسبعين عامًا. فالقضية ليست قصة عابرة، بل قضية إنسان ومعتقد؛ نحن أو هم. نحن نحمل معتقدًا إيمانيًا راسخًا ثابتًا، وهم يقومون على مبادئ شريعة الغاب: البقاء للأقوى. هم يخافون إيماننا ومعتقدنا، ونحن نعلم أنهم إلى زوال.
غسان كنفاني، الروائي والقاص والصحفي الفلسطيني، والناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية في ذلك الوقت، استُشهد في بيروت عام 1972 إثر تفجير سيارته على أيدي عملاء إسرائيليين. كتب كنفاني في صلب الهوية العربية والقضية الفلسطينية، فكانت أعماله مثل "أم سعد" و"ماذا تبقى لكم" وغيرها من الروايات التي أصبحت علامات فارقة في الأدب المقاوم.
ماذا لو كتبنا اليوم عن روح القضية؟ نعم، الكتابة نوع من المقاومة، لكنها وحدها لا تغيّر الحقيقة ولا الواقع. كتب غسان كنفاني، وكتب غيره منذ ذلك الوقت، لكن القلم لم يُعِد اللاجئين، ولم تُستعد المقدسات، ولم تعُد الأرض.
كتب بعد مرور عشرين عامًا على النكبة، ومع ذلك—وللأسف—ما زالت السنوات تمضي، وتبقى الحرب. لم تمت الحرب، بل صارت أشرس وأكثر ضراوة؛ إنها حرب فكرية وثقافية، حرب معتقد وإيمان. لقد غُيّبت قضية المعتقد، وأصبحت أمة بهوية ضائعة، وربما مصابة بنوع من الفصام. ماذا لو كتبنا اليوم عن روح القضية؟ نعم، الكتابة نوع من المقاومة، لكنها وحدها لا تغيّر الحقيقة ولا الواقع. كتب غسان كنفاني، وكتب غيره منذ ذلك الوقت، لكن القلم لم يُعِد اللاجئين، ولم تُستعد المقدسات، ولم تعُد الأرض.
كل رواية لغسان كنفاني، وهذه هي المرة الثانية التي أقرأ فيها أعماله الروائية، وإن كانت المرة الأولى التي أقرأها تباعًا، تؤلمني بعمق. فالزمن يمر علينا ببطء شديد، بينما يمر عليهم سريعًا. كتب كثيرًا عن معاناة الإنسان الفلسطيني، والمشهد ذاته يتكرر اليوم؛ كأن الزمن والمعاناة لا يتحركان. يحرقون الأرض، ويقتلون الإنسان، ويسلبون الحقوق، ونحن نبتعد خطواتٍ أكثر فأكثر عن معتقدنا، ونغرق أكثر في نزاعاتنا الداخلية.
اقرأ أيضًا: الكتابة حفظ للحضور: كيف ولدت رواية اغتيال الوتين
نحن نؤمن أن الإنسان قضية معتقد، لكننا نختلف على تفاصيل هذا المعتقد، وهم يؤججون هذا الاختلاف، ويشعلون نيرانه بطرق ملتوية أحيانًا، ومباشرة أحيانًا أخرى. لقد لوّنوا شريعتهم، شريعة الغاب، وصدّروها لنا لتبدو في ظاهرها شبيهة بمعتقدنا، بينما في باطنها نتقمص شريعتهم ونعيش في غابتهم.
عندما قُدّمت رواية "عائد إلى حيفا" في مسلسل تلفزيوني عام 2004، من بطولة الفنانين السوريين نورمان أسعد وسلوم حداد، كانت مشاهده تستنزف قلبي قبل عيني. ورغم أنني لم أرَ فلسطين يومًا، إلا أنني أعرفها من حديث الآباء والأجداد، ومن الكتب، ومن حديث القلب. فلسطين حاضرة في قلب كل إنسان يحمل معتقدًا.
لم يفشل غسان كنفاني في كتاباته في جعل القارئ يتابع الرواية بنهمٍ دون شعور بالملل. وهو من قلّة الروائيين الذين يصعب عليك ترك أعمالهم قبل الانتهاء منها. ورغم أنني قرأت أعماله سابقًا في مرحلة مبكرة من عمري، فإنني أعود اليوم لقراءتها، والمثير أن الأثر ذاته يتكرر في صدري؛ الحب الصادق، وعشق قضية إنسان بمعتقد قوي راسخ. مهما غبت عن أعماله، يعود الشعور نفسه في كل مرة.
كثيرون كتبوا عن القضية الفلسطينية، لكن قلّة هم من وصفوا وجرّدوا معاناة اللاجئ، وابن المخيم، وابن غزة، والضفة. قلّة تجرؤوا على تشخيص الداء ووصف الدواء. كثيرون تسلقوا على سلّم القضية الفلسطينية، لكن قلّة فقط نجحوا في الوصف والشرح. قد يختلف الراوي، لكن القصة واحدة، وعناصرها هي ذاتها، والنهاية مطبوعة وراسخة عندنا وعندهم. غير أن الزمن طال، أطول مما اعتقدنا، وأبطأ مما احتملنا

