لم تعد حكايات القهر والألم استثناءً في مخيم جنين، بل صارت يومياتٍ مفتوحة يعيشها آلاف اللاجئين الفلسطينيين شمال الضفة المحتلة، منذ أن أطلقت قوات الاحتلال عمليتها العسكرية الواسعة على مخيمات الشمال، تحت مسمّى "السور الحديدي"، في الحادي والعشرين من كانون الثاني/يناير 2025.
بدأ العدوان على مدينة جنين ومخيمها، قبل أن يتوسّع بعد أسبوع ليطال مدينة طولكرم ومخيميها (طولكرم ونور شمس)، ثم يمتدّ جزئيًا إلى مخيم الفارعة في محافظة طوباس، مخلفًا دمارًا واسعًا ونزوحًا جماعيًا ومعاناة إنسانية غير مسبوقة.
أجبرت العملية العسكرية نحو 32 ألف فلسطيني على النزوح من المخيمات الثلاثة المستهدفة (جنين، طولكرم، نور شمس)، وفق بيانات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا». كما دمّرت آليات الاحتلال آلاف المباني بشكل كلي أو جزئي داخل المخيمات؛ إذ بلغت نسبة الدمار نحو 52% من إجمالي المباني في مخيم جنين، وقرابة 48% في مخيم نور شمس، ونحو 36% في مخيم طولكرم.
وفي السياق ذاته، وثّق نادي الأسير الفلسطيني حملات اعتقال جماعية طالت نحو ألفين وثلاثمئة فلسطيني من مختلف الأعمار والفئات في المخيمات الثلاثة، أُفرج عن بعضهم لاحقًا. وجاءت هذه الاعتقالات ضمن حملة اتسمت بتصعيد ممنهج، شملت تحويل منازل الفلسطينيين إلى ثكنات عسكرية ومراكز تحقيق ميداني، وارتكاب اعتداءات جسدية وُصفت بالوحشية.

وأفادت شهادات حيّة بأن قوات الاحتلال أطلقت النار على بعض المواطنين قبل اعتقالهم، ومثّلت بجثامين الشهداء، إضافة إلى التهديد والوعيد، واستخدام المدنيين دروعًا بشرية. إلى جانب ذلك، تعمّد الاحتلال تدمير البنية التحتية بشكل شبه كامل، وإحداث تغييرات ديموغرافية قسرية داخل المخيمات، في محاولة لطمس قضية اللاجئين وشواهدها المكانية والإنسانية. وخلال العدوان المتواصل، قتل الاحتلال أكثر من ثمانين شهيدًا، بالرصاص أو القصف، في المخيمات الثلاثة وقراها، بحسب مرصد شيرين.
خلّف العدوان أوجهًا متعددة من المعاناة في صفوف اللاجئين، بدءًا من تهجيرهم القسري من منازلهم، وحاراتهم، وأزقة المخيم، وسلبهم تفاصيلهم اليومية البسيطة: رائحة الكعك، أصوات الباعة، البركة، ونقاء الحياة. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل امتدّ إلى اقتلاع الذكريات بهدم المنازل أو حرقها، وطمس معالم حياة بسيطة، تشبه في صفائها أرواح أصحابها المتشبثين بالأمل والعودة إلى قراهم التي هُجّروا منها.
اقرأ أيضًا: بين ركام "نور شمس" وحلم القانون: بيان أعمر تكتب حكايتها
في منزل قيد الإنشاء، اضطرت السيدة الخمسينية أم محمد تركمان، برفقة زوجها وأطفالها الثلاثة، إلى الاحتماء به قسرًا، رغم انعدام مقومات الحياة فيه. تحاول مواساة نفسها بأن حالها أفضل من عائلات أخرى، لكنها لا تُخفي خشيتها على أطفالها في ظل الطقس البارد، وتشكو ضعف اهتمام المؤسسات بأوضاعهم كلاجئين، إذ لا يصلهم سوى مساعدات فردية متفرقة.
وكان الاحتلال قد أجبر العائلة على مغادرة منزلها في حارة الدمج بمخيم جنين مع بداية العملية، تحت تهديد السلاح، دون السماح لهم بإخراج مقتنياتهم، باستثناء حقيبة صغيرة جمعتها على عجل، وضعت فيها أوراق العائلة الرسمية، وبعض النقود، وقليلًا من الملابس، على أمل العودة… عودة لا تزال معلّقة حتى اللحظة.
عائلة أم محمد واحدة من بين أكثر من اثنين وعشرين ألف عائلة، وفق اللجنة الإعلامية لمخيم جنين، نزحت من المخيم دون وجهة واضحة؛ فمنها من لجأ إلى المدينة، وأخرى إلى أقاربها في القرى المجاورة.
أم الشهداء الثلاثة

ولم تقتصر المعاناة على النزوح وحده، بل امتدت إلى جرائم القتل والاعتقال والانتهاكات المتواصلة، حتى غدا المخيم غريبًا على أهله. فقد غيّرت آليات الاحتلال معالمه، وفتحت طرقًا جديدة على أنقاض المنازل والممتلكات التي سُوّيت بالأرض، فيما دُمّرت البنية التحتية بشكل كامل.
بصوت متزن، مفعم بالإيمان والتسليم لقضاء الله، تروي أم الشهداء الثلاثة: بهاء، وأمير، ومؤمن أبو الهيجا، تفاصيل فاجعتها. تقول إن الاحتلال اغتال أبناءها في غارة جوية نفذتها طائرة مسيّرة استهدفتهم أثناء جلوسهم مع جيرانهم حول نار أوقدوها أمام المنزل.
وتضيف: «وقع الخبر عليّ كالصاعقة، ثلاثة من فلذات كبدي دفعة واحدة… صعبة كثير، لكن الحمد لله على كل حال، ربنا اختارهم». تُصبّر روحها بالدعاء، وتستمدّ ثباتها من صبر أهل غزة، الذين تجاوز بلاؤهم حدود الاحتمال، ومع ذلك لازمهم الحمد والرضا.
اقرأ أيضًا: لاجئة للمرة الثانية: حكاية الصحافية تسنيم سليط مع اللجوء
تعيش أم الشهداء وجعًا مضاعفًا بعد إخراجها من منزلها قسرًا، فيما ارتقى أبناؤها الثلاثة ضمن نحو خمسة وستين شهيدًا سقطوا بالرصاص أو القصف في مخيم جنين ومدينة جنين وبلداتها خلال العملية العسكرية المتواصلة.
أينما وُجّهت البصر، تبرز شواهد إرهاب الاحتلال: انتشار مكثف للآليات العسكرية، سواتر ترابية تعيق الدخول إلى المخيم، وصولًا إلى تركيب بوابات حديدية. كما لحقت خسائر اقتصادية فادحة بالتجار، ودمار واسع في البنى التحتية والممتلكات. وأكدت بلدية جنين أن الاحتلال دمّر نحو 800 منزل ومنشأة بشكل جزئي أو كلي في مخيم جنين وحده.
وعلى أمل العودة، يعيش اللاجئون اليوم مبعثرين ومشتتين، يواجهون نكبة ثانية لا نهاية واضحة لها. ولسان حالهم يقول: إن غضّ الطرف عن معاناتنا ونسياننا، هو قتلٌ لروح القضية؛ فالمخيم ليس مكانًا فحسب، بل الشاهد الحي على تاريخ اللجوء والمعاناة الفلسطينية.

