نحبّ الحياة ما استطعنا إليها سبيلًا، وننتزع الفرح من بين أنياب الألم؛ كيف لا، ونحن الذين أبصرنا الحياة على احتلالٍ لا يرقب بنا، كفلسطينيين، إلًّا ولا ذمّة. يسلّط التقرير الضوء على معاناة النازحين في مخيمات شمال الضفة المحتلة، وتبعات ذلك على تفاصيل حياتهم اليومية. وفي هذا السياق، قابلنا الصحفية تسنيم سليط، ابنة مخيم طولكرم، وهي اللاجئة العشرينية تسنيم سليط، ابنة مخيم طولكرم شمال الضفة المحتلة. كبرت تسنيم على قصص أجدادها عن النكبة، لكن لم يخطر ببالها يومًا أن تعيش ذات المعاناة من نزوح وتهجير قسري، وهدمٍ يطال المخيم بتفاصيله، كشاهدٍ حيّ على قضية اللاجئين.
نزوح من مخيم طولكرم

تسرد تسنيم حكايتها بمرارة وتقول: "في نهاية شهر يناير من العام الماضي، كنت أهمّ بالانتقال إلى بيتي في مخيم طولكرم والاستقرار فيه، لأتفاجأ باقتحام قوات الاحتلال للمخيم وفرض حصار عليه، ما اضطرنا لمغادرة المنزل قسرًا." وتضيف: "بيتي صغير، لكنه جميل، تعبت عليه كثيرًا حتى أصبح كما أحب وأتمنى، حرصت على أدق تفاصيله، وأكثر ما يؤرقني أنني لم أسكن فيه ليلة واحدة."
وحتى اللحظة، لا تعلم تسنيم شيئًا عن مصير بيتها في المخيم، إن كان قد هُدم أم لا. وعن كيفية اقتحام جنود الاحتلال للمنزل الذي كانت تقطنه في عمارة خريوش بمدينة طولكرم، تقول إن الجنود اتصلوا بها وطالبوها بإرسال مفتاح الشقة، مهددين بتفجير الباب في حال الرفض، ليتم تحويل الشقة لاحقًا إلى ثكنة عسكرية لمدة ثمانية شهور. وتضيف: "تفاجأت بكمية الدمار والخراب الذي لحق بالأثاث والممتلكات وحتى الجدران، كأن إعصارًا حلّ بالمكان."
اقرأ أيضًا: فاطمة منصور: أم اقتلعها الاحتلال من حضن سبعة أبناء
وتتابع: "لم أتمكن من استصلاح أي شيء في الشقة، ولم يكن أمامي سوى تسليمها لصاحبها، لأكمل رحلة النزوح المقيتة مرة أخرى برفقة ابنتي آيلا ذات الخمسة أعوام."
اختارت تسنيم مجال الصحافة والإعلام، وعملت على مدار عامين كمراسلة ومصورة مع أكثر من جهة إعلامية. والمفارقة المؤلمة أن أول عمل صحفي لها كان مقابلة أجرتها مع والدتها، سردت خلالها تفاصيل استشهاد نجلها أحمد. وبعد نحو شهرين، أعادت تسنيم المقابلة ذاتها مع والدتها، التي أصبحت أمًا لشهيدٍ ثانٍ. وفي هذا الصدد تقول: "يكفيني فخرًا أن يرتبط اسمي باسم شقيقيَّ الشهيدين."
أخت الشهداء

ألمٌ وحسرة ذاقتهما تسنيم باستشهاد شقيقيها؛ محمد، الذي جرى انتشال جثمانه بعد خمسة وثلاثين ساعة من استشهاده، وأحمد الذي ارتقى بقصف من طائرة مسيّرة، فيما لا يزال مصير شقيقها الثالث الاعتقال. وتقول تسنيم: "رغم اشتداد الصعاب المحيطة بي، والألم الذي اعتصر قلبي، آثرت البقاء في الميدان وتغطية جرائم الاحتلال وانتهاكاته المتصاعدة بحق اللاجئين في مخيمي طولكرم ونور شمس."
من رحم المعاناة، عزمت تسنيم على مواصلة التغطية الميدانية، رغم تعرضها لانتهاكات متكررة، من منع التصوير وحذف المواد المصورة، إلى إلقاء القنابل باتجاهها برفقة الصحفيين. لكنها باتت أكثر إدراكًا لأهمية التوثيق ونقل الصورة الحقيقية: صورة احتلال يدّعي الأخلاق، وما هو إلا إرهاب منظم.
اقرأ أيضًا: عائلة الشيخ ماجد حسن: فردًا فردًا على قوائم الأسرى
حنينٌ مختلط بالقهر تعيشه تسنيم يوميًا، وهي بعيدة عن منزلها، لاجئة للمرة الثانية، بكل ما يحمله ذلك من تبعات. ومع ذلك، ما زالت تتشبث بالأمل في عودة قريبة إلى المخيم، إلى أزقته الضيقة، وأهله الطيبين، وأجوائه الخاصة في المناسبات.
وكان الاحتلال قد أعلن في شهر يناير من العام الماضي عن عملية عسكرية أطلق عليها اسم "السور الحديدي" في مخيم جنين شمال الضفة المحتلة، قبل أن تمتد بعد نحو أسبوع إلى مخيمي طولكرم ونور شمس، ما أدى إلى نزوح آلاف اللاجئين، وارتقاء العشرات، إضافة إلى إصابة واعتقال آخرين.
كما تعمّد الاحتلال تدمير البنية التحتية بشكل شبه كامل في المخيمات، فيما تعرضت المنازل للحرق والهدم والسرقة.

