لم يكن رمضان في وعي الأمة منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، يومًا شهر خمولٍ واسترخاء، ولا موسمًا لإعداد الموائد العامرة والسهر الطويل أمام الشاشات. لم يكن زمنًا يُختزل في وصفات الطعام أو سباقات المسلسلات، بل كان، في جوهره التاريخي والروحي، شهر المعارك والانتصارات والصبر والإنجازات. شهرًا تُشحذ فيه الهمم، وتُستنهض الإرادات، وتُختبر فيه قدرة المرء على الصبر والثبات خصوصوا في أيام المحن، كالتي نعايشها اليوم في زماننا.
حين نعود إلى السيرة النبوية، لا نقرأ رمضان بوصفه شهر طقوس شكلية، بل زمنًا فارقًا في مسار الدعوة والتاريخ. ففيه وقعت غزوة بدر، أولى المعارك الفاصلة في الإسلام، حين خرج المسلمون قلةً لا يملكون عُدّة ولا عتادًا، لكنهم امتلكوا يقينًا راسخًا بأن النصر ليس بكثرة العدد، بل بثبات القلوب. كان رمضان مرتبطًا ببدر، مرتبطًا بمعنى الاصطفاء والاختبار والتمكين. وفي رمضان كذلك فتحت مكة، ذلك الحدث الذي أعاد تعريف القوة، قوةٌ تُتوّج بالعفو لا بالانتقام، وبالعدل لا بالظلم.
إن الصوم في جوهره ليس امتناعًا عن الطعام فحسب، بل تمرينًا على الحرية، حرية الإرادة من أسر الشهوة، وحرية الروح من سطوة العادة. حين يجوع الإنسان مختارًا، يتعلّم أن حاجته ليست سيّدة قراره، وأنه قادر على ضبط رغباته وتوجيهها. من هنا كان رمضان مدرسة إعداد، لا موسم تعطيل.
ولم يكن ذلك استثناءً في تاريخ الأمة؛ ففي رمضان وقعت معركة معركة عين جالوت التي كسرت شوكة المغول، حين اجتمع الصوم مع النصر، والإيمان مع الفعل. كأن التاريخ يهمس لنا بأن رمضان ليس شهر نوم وراحة، بل شهر ثبات وصبر وانتصار. فما الذي حدث لوعينا الجمعي حتى صار رمضان عند كثيرين موسمًا للطعام لا للجهاد بمعناه الواسع، جهاد النفس أولًا، وجهاد الظلم بالكلمة والموقف؟ كيف تحوّل الشهر الذي كان ميدانًا للإنجاز إلى مساحة استهلاك مفرط، وتنافسٍ في ألوان الأطباق، وساعات طويلة من النوم تعوّض صيام النهار بسهرٍ بلا طائل؟
إن الصوم في جوهره ليس امتناعًا عن الطعام فحسب، بل تمرينًا على الحرية، حرية الإرادة من أسر الشهوة، وحرية الروح من سطوة العادة. حين يجوع الإنسان مختارًا، يتعلّم أن حاجته ليست سيّدة قراره، وأنه قادر على ضبط رغباته وتوجيهها. من هنا كان رمضان مدرسة إعداد، لا موسم تعطيل. مدرسة تُدرّب المؤمن على الصبر، والصبر ليس سلبيةً أو انتظارًا خاملاً، بل ثباتًا واعيًا في وجه الشدائد، وعملًا دؤوبًا رغم المشقة.
وإذا كانت السيرة النبوية تقدم لنا نماذج تاريخية للإنجاز في رمضان، فإن واقعنا المعاصر يقدّم صورة حيّة للصبر المتجدد، تتجلى اليوم في صمود أهلنا في غزة. هناك، حيث الجوع ليس خيارًا تعبديًا بل حصارًا مفروضًا، وحيث الخوف ليس خاطرًا عابرًا بل واقعًا يوميًا، يتجلّى معنى الصبر بأوضح صوره. أهل غزة لا يصومون عن الطعام فحسب بل يحافظون على روح الشهر، على صلاة الجماعة في ركام المساجد، وعلى موائد بسيطة يتقاسمون فيها القليل.
اقرأ أيضًا: المطبخ كمساحة مقاومة: على مائدتك تصنعين الوعي
إن الربط بين رمضان وغزة ليس توظيفًا عاطفيًا، بل قراءة في معنى الصبر. فالصوم الذي نتدرّب عليه نحن في أيام معدودات، يعيشه أهلنا في غزة حالة ممتدة؛ صبر على الجوع، وصبر على الفقد، وصبر على طول الأمد. ومع ذلك، لا تنكسر إرادتهم، ولا يتخلون عن إرادتهم في الحياة.
حين نتأمل حالهم، ندرك كم يبدو الترف الذي نغرق فيه في بعض البيوت بعيدًا عن روح الشهر. موائد تُلقى في القمامة بعد امتلائها، وسهرات تمتد حتى الفجر بلا ذكرٍ ولا فكر، وكأن رمضان فرصة لتعويض حرمان النهار بالإفراط ليلًا. بينما هناك من يبحث عن لقمة تسد رمق طفل، أو جرعة ماء نظيفة، أو ساعة أمان بلا قصف.
ليس المطلوب أن يتحول رمضان إلى شهر حزن دائم، ولا أن نحرّم على أنفسنا الفرح المشروع، لكنه الفرح الواعي الذي لا ينسى آلام الأمة، ولا يغفل عن مسؤولية الفرد. رمضان شهر الإنجاز، والإنجاز اليوم لا يقتصر على ميادين القتال، بل يشمل ميادين العلم والعمل والإغاثة والتكافل والكلمة الصادقة. أن تكتب كلمة حق، أن تدعم محتاجًا، أن تربي أبناءك على وعيٍ حيّ بقضايا أمتهم، أن تضبط استهلاكك وتعيد توجيه فائضك نحو من هم أولى به؛ كل ذلك من معارك رمضان المعاصرة.
لعل أعظم انتصار يمكن أن نحققه في رمضان هو أن ننتصر على أنفسنا: على شهواتنا، وعلى غفلتنا، وعلى اعتيادنا للرفاه. فإذا انتصرنا هناك، صرنا أقدر على أن نكون جزءًا من انتصارات أكبر، ولو بالكلمة والموقف والدعاء والعمل.
لقد علّمنا التاريخ أن الصبر طريق النصر، وأن الانتصارات الكبرى تولد في لحظات الشدة. وفي كل مرة يمر فيها رمضان، يُعاد طرح السؤال ذاته: هل سيكون شهرًا للموائد أم للمعاني؟ شهرًا للكسل أم للإنجاز؟ شهرًا نخرج منه كما دخلنا، أم نخرج منه أكثر قوةً وصفاءً واستعدادًا لمواجهة ما حولنا من تحديات؟
أهل غزة يكتبون اليوم صفحة جديدة في كتاب الصبر، كما كتب من قبلهم الصحابة صفحاتهم في بدر وفتح مكة. الفارق أن المعركة تتغير أشكالها، لكن الثبات يبقى هو هو. ورمضان، في كل زمان، يظل شهر إعادة تشكيل الروح؛ شهرًا نعيد فيه ترتيب أولوياتنا، فنقدّم المعنى على المظهر، والموقف على المتعة، والإنجاز على الاستهلاك.
لعل أعظم انتصار يمكن أن نحققه في رمضان هو أن ننتصر على أنفسنا: على شهواتنا، وعلى غفلتنا، وعلى اعتيادنا للرفاه. فإذا انتصرنا هناك، صرنا أقدر على أن نكون جزءًا من انتصارات أكبر، ولو بالكلمة والموقف والدعاء والعمل. رمضان ليس شهر النوم والسهر والمسلسلات، بل شهر المعارك التي تبدأ في الداخل قبل أن تظهر في الخارج. هو شهر الصبر الذي يصنع الإنجاز، والإنجاز الذي يمهّد للنصر.

