بنفسج

إلى أمهات أمتنا: يحضر العيد وتغيب الأمهات في سجون الاحتلال

الأحد 24 مايو

الأمهات في سجون الاحتلال الإسرائيلي
الأمهات في سجون الاحتلال الإسرائيلي

يا أمهات أمتنا، تعلمن أن العيد يقترب، وفيه يدقّ قلب الأطفال بالفرح، يتلمسون ملابسهم الجديدة وهم نيام يتخيلون نهار العيد بكل تفاصيلها... وكذلك تتفقد الأمهات ثياب أطفالهن، وتزدحم المطابخ برائحة الكعك والقهوة، وتُخبّأ العيديات في جيوب صغيرة بانتظار ضحكة طفل. لكن ثمّة أطفال يدخلون العيد بقلوبٍ ناقصة لأن أمّهاتهم خلف القضبان، يطاردهنّ السجّان وتفصل بينهن وبين أطفالهن أبواب الحديد والأسلاك والحواجز.

يا أمهاتنا الغاليات في كل أصقاع الأرض وجموع الأمة، في كل عيد، تُفتح جراح جديدة في قلوب الأسيرات الأمهات، لكن الجرح الأكبر يبقى في عيون أطفالهن الذين يسألون: "متى تعود أمي؟"، أو يركضون نحو أي امرأة تشبهها، ثم يكتشفون أن العيد لا يعيد الغائبين. هناك أطفال لا يطلبون لعبة ولا ثوبًا جديدًا ولا حلوى العيد… فقط يريدون أمّهاتهم.

أريد أولادي

IMG-20260524-WA0006.jpg

في العيد، لا يكون الأسر مجرد حرمان امرأة من الحرية، بل يتحول إلى عقوبة جماعية لعائلة كاملة، لطفولة كاملة، لبيتٍ كاملٍ انطفأ نصف نوره. يا أمهاتنا، الأسيرة الفلسطينية أمّ اقتُلعت من حضن أطفالها وتركت خلفها تفاصيل يومية صغيرة لا يعرف العالم قيمتها: جدائل ابنة تنتظر من يسرّحها، طفل يخاف النوم دون حضن أمّه، رضيع نسي رائحة الحليب لأن الاحتلال قرر أن السجن أقوى من الأمومة.

وفي غزة والضفة والقدس، ثمّة أمهات كثيرات لا يعرفهنّ الإعلام، لكن الله يعرف عدد الدموع التي ذرفنها ليلًا خوفًا على أطفالهن، ويعرف عدد الرسائل التي أخفينها تحت الوسائد، وعدد الأعياد التي مرّت عليهن وهنّ يعدن الأيام انتظارًا للحريّة.


اقرأ أيضًا: مشروع قانون إعدام الأسرى: القصة كاملة


من الأسيرات الأمهات، بنان أبو الهيجا، وهي أم لأربعة أطفال: تُقى، جنى، حمزة، غنى، متزوجة من المهندس عبد الله رصرص. أمها أسماء أبو الهيجا (أم عبد السلام)، زوجة المجاهد الأسير جمال أبو الهيجا، ووالدة الشهيد حمزة أبو الهيجا، ووالدة الأسيرين في سجون الاحتلال عبد السلام وعاصم، والمختطف في سجون السلطة عماد، وأخيرًا ابنتها الأسيرة المحامية بنان التي اختطفها الاحتلال عن حاجز بشكل مفاجئ. 

قالت بنان للمحامي أن يوصل رسالتها إلى زوجها وأطفالها: "بوصّي عبد الله أول يوم في المدرسة يصوّرلي فيديو وصور، وهم رايحين، وخاصة الصغيرات غِنى وجنى، ويبلّغ روضة غِنى أنها إمها بالسجن وما يشدّوا عليها ويبهدلوها إذا قصّرت، وخلّي ساجدة تتبّع نظافة شعر البنات، وما تنسى واقي الشعر يلّي برشّ. يقول المحامي: "بنان قويّة وبتسلّم على زوجها وأولادها (تُقى، جنى، حمزة وغنى)، على رشا وغفران، وعلى كلّ من يسأل عنها".

"سأعود يا أمي..." 

IMG-20260524-WA0004.jpg

 لينا عويضة مسك، أم لثلاثة أولاد: سلسبيل سوسو، إيلان، وعبد الرحمن عبود. تقول للمحامي: "ولادي ما يفكّروا إنّي نسيتهم. مشتاقة لهم، راجعة، بحلم فيهم كل الوقت.

تقول للمحامي: "في الدامون قمعات، ضرب، عزل مع تربيط كلبشات، ضربوني على إيدي وطلعت عظمة بس الحمد الله مش كُسر، شبح، تهديد بالانتهاكات الجنسية للصبايا والسجّان بتطلع "مبن أفضل ومناسبة أكثر؟" ويضحكون. "سحبونا من الغرف، ضربونا بالساحة، ماسكينا من راسنا ومن ورى، وإحنا مكلبشات ومغمّضات عينينا، وجابو الكلاب، والمسئولين بطلّعوا وبضحكوا، بتلذّذوا بالتعذيب.

يا أمهات أمتنا، كلنا نذكر الأسيرة أسيل حماد، اعتقلت وهي عائدة من بيت أهلها في عنبتا، تقول أسيل: "نزلوني من السيارة، حكى لي ضابط المخابرات "بدنا نستضيفك عنا"، إيلياء شافت لمّا كلبشوني (شهر ما حكت لمّا شافت كيف اعتقلوا أبوها)، أخذوني لحوارة، زنزانة تحت الأرض، كرسي صبّة باطون، كان فيها جرذون كبير، زنزانة بتوسع فرشة وبس، مليانة زبالة وصراصير، وسخ ع الأرض والحيطان، تحت الشرشف كان كاكا رطب، ثاني يوم ع الشارون ليلة، وبعدها ع الدامون. صادروا القميص الحلو اللي جابته إمي هديّة على عيد ميلادي، والحذاء الغالي... والبنطلون.


اقرأ أيضًا: قاصرات وحوامل وولادة خلف القضبان: إلى أمتنا الممتدة


تكمل أسيل للمحامي: "خبّر مصعب وإيلياء أني بحبهم كثير ومشتاقة. وأمي: بحبها كثير وما تخاف عليّ وتدير بالها ع حالها، وإخوتي مراد ومهند وحمد (أسفه، خرّبت عليك السفر، مش قصدي) ومحمود (بدّي عطر من الإمارات)، وإيناس (بحبك وشكراً أنك أختي)، وجفرا وريف وبيروت (تغنّي للولو "يمّا الجمال")، ومنير (جوز إيناس) وسعاد وسهى. سلّم على رماء وحنان (سلفاتي) وخلّيهن يطبخوا للولو طبخات زاكية، وماجد وساجد (إخوة مصعب)، وصاحباتي، ميسّر وعرين وأحلام والجميع.

الوضع بالدامون صعب، بسبب الرطوبة والوضع صار حَبّ على أجسام الأسيرات، الفورات على مزاج السجّان، عقوبات ع الطالع والنازل، إذا بنضحك بعاقبونا، وإذا بنحكي بصوت عالي بعاقبونا، وإذا بنسكت – ليش ساكتات؟ بنات الدامون مناح، وما يخافوا علينا، قويّات.

ابنة وحيدة

IMG-20260524-WA0005.jpg

ليست الأمومة مجرد طعام وثياب ومدرسة، الأمومة حضور وأمان ودفء. لذلك فإن أعظم ما يفعله الاحتلال حين يعتقل الأم الفلسطينية أنه يحاول كسر هذا المعنى النبيل، وتحويل الطفل إلى كائن يتيم المشاعر، يعيش الحرمان مبكرًا. في بيوت كثيرة، تحفظ الأطفال مواعيد المحاكم بدل الأناشيد، ويتعلمون أسماء السجون بدل أسماء الحدائق. بعضهم يرسم أمّه في دفاتر المدرسة، وبعضهم يرفض ارتداء ثياب العيد لأن "أمي لن تراني بها".

تخيّلوا طفلة تدخل صباح العيد على خالتها وتقول: "أريد أمي يا خالة". جملة صغيرة، لكنها تختصر وطنًا كاملًا من الألم. الأطفال لا يفهمون السياسة ولا يدركون تعقيدات الصراع، لكنهم يفهمون الغياب جيدًا. يفهمون معنى أن تبقى صورة الأم معلقة على الجدار بدل أن تجلس إلى مائدة العيد. يفهمون معنى أن تكون المكالمة الهاتفية القصيرة أثمن من كل الهدايا.

وفي مقابل هذا الألم، تقف الأسيرات الأمهات شامخات بصورة مدهشة. كثيرات منهنّ يخفين دموعهن في الزيارات كي لا ينهار أطفالهن، ويتحدثن بثبات عن الحرية كي يزرعن القوة في قلوب صغارهن. هؤلاء النسوة لا يحملن وجعهن فقط، بل يحملن همّ أمة كاملة نامت طويلًا عن آلامهن.


اقرأ أيضًا: إلى نساء الأمة: هذه أسوأ لحظاتي في سجون الاحتلال


يا نساء الأمة… ليس المطلوب أن نبكي فقط، بل أن نعيد الاعتبار لقضايا الأسيرات الأمهات في دعائنا وكلماتنا ومواقفنا وإعلامنا وتربيتنا لأطفالنا... أن نخبر أبناءنا أن هناك أمّهات يدفعن أعمارهن ثمنًا للحرية والكرامة. أن نتذكرهن في ليالي العيد، ونحن نضم أبناءنا إلى صدورنا، بينما هناك أمّهات يتمنين فقط لمسةً واحدة من أطفالهن.

علّموا أبناءكم أن الحرية ليست كلمة عابرة، وأن للأمهات الفلسطينيات دينًا في أعناق الأمة. حدّثوهم عن الصابرات اللواتي يصنعن من السجن مدرسة عزّة، وعن الأطفال الذين يكبرون قبل أوانهم لأن الاحتلال سرق منهم أمّهاتهم.

وفي هذه الأيام المباركة، ربما لا تستطيع امرأة في أقصى الأرض أن تكسر قيد أسيرة، لكنها تستطيع ألا تتركها وحيدة. تستطيع أن تدعو لها، أن تكتب عنها، أن تعلّم أبناءها قضيتها، أن تزرع في قلبهم الرحمة والانتماء والوفاء. فالأسيرات الأمهات لا يحتجن الشفقة، بل يحتجن أن تبقى قضيتهن حيّة في ضمير الأمة.

وفي صباح العيد، بينما تتعالى التكبيرات، ستجلس أمّهات خلف القضبان يتخيلن أطفالهن بثياب العيد، ويحاولن سرقة لحظة فرح من ذاكرة مثقلة بالقهر. وستبقى دعوة صغيرة تتردد في السماء من أفواه أطفال كثيرين: "يا رب… أعد إلينا أمّهاتنا."