بنفسج

إلى أحرار أمتنا... نحن جيران الأقصى.. ولكننا محرومون من صلاة العيد فيه

الإثنين 25 مايو

المرابطات المبعدات عن الأقصى
المرابطات المبعدات عن الأقصى

ليست كل الغربة أن تُنفى من وطنك فثمة غربة أشدّ قهرًا أن تُبعد عن المكان الذي تسكنه روحك، وأن تُحرم من الطريق الذي اعتادت قدماك السير فيه كل صباح، وأن يأتي العيد بينما أبواب المسجد الأقصى موصدة في وجهك بقرار احتلالي ظالم. هكذا تعيش المرابطات المبعدات عن المسجد الأقصى، نساءٌ من القدس حملن الأقصى في قلوبهن، فحمل الاحتلال لهن أوامر الإبعاد والسجون والملاحقات.

في الأيام المباركة، حين كانت الأمة تستقبل مواسم الطاعة بالتكبير والقيام والدعاء، كانت المرابطات يعدِدن أيام الإبعاد يومًا يومًا، يراقبن قباب الأقصى من بعيد، ويعشن شعور الأم التي مُنعت من احتضان طفلها في العيد. فالمرابطة المقدسية لا ترى الأقصى مسجدًا فحسب، بل بيتًا وروحًا وعمرًا كاملًا. لذلك لم يكن الإبعاد عقوبة عابرة، بل محاولة اقتلاع معنوي، تستهدف كسر العلاقة الحميمة بين أهل القدس ومسجدهم.

وقد وثّقت تقارير عديدة كيف تحولت المرابطات إلى خط الدفاع الأول عن المسجد الأقصى، من خلال الحضور اليومي في ساحاته والتصدي لاقتحامات المستوطنين بالتكبير والرباط والتعليم والوجود الدائم.  

جارة الأقصى: هنادي حلواني

IMG-20260525-WA0062.jpg

كانت المرابطة المقدسية هنادي حلواني واحدة من أبرز تلك الوجوه التي عرفتها ساحات الأقصى. امرأة نذرت وقتها وعلمها للمسجد، تدرّس النساء والطلاب في مصاطبه، وتداوم على الرباط فيه، حتى صار حضورها يغيظ الاحتلال. وحين عجز عن إسكات صوتها، لجأ إلى إبعادها عن المسجد، ثم حتى عن أبوابه والطرقات المؤدية إليه. ومع ذلك لم تغادر الرباط، بل صارت تصلي على العتبات وتحوّل أبواب الأقصى إلى ساحات مواجهة وصبر.  

أما خديجة خويص، فقد روت كيف أصبح باب السلسلة “قلعة للمبعدات المرابطات"، بعدما مُنعن من الدخول إلى المسجد، فوقفن على الأبواب يواجهن المستوطنين الخارجين من الاقتحامات بالتكبير والثبات. لم يكن الإبعاد نهاية الرباط، بل بداية شكل جديد منه؛ رباط على العتبات ورباط بالدمعة والصبر والانتظار.  

وفي كل عيد تتكرر الحكاية ذاتها، تكبيرات تُرفع داخل الأقصى وقلوب معلقة خلف الحواجز. المصلون يعانقون بعضهم في ساحاته، بينما المرابطات المبعدات يكتفين بالنظر نحو القبة الذهبية من بعيد، كأن بينهن وبين المسجد عمرًا كاملًا من الحرمان. ما أقسى أن تكون من “جيران الأقصى” لكنك محروم من الصلاة فيه. أن تعرف تفاصيل أبوابه وحجارته ومصاطبه أكثر مما تعرف تفاصيل بيتك، ثم يأتي جندي غريب ليخبرك أنك ممنوع من الاقتراب.

خديجة خويص: لا عيد إلا بالأقصى

IMG-20260525-WA0061.jpg

هذا الحرمان ليس مجرد إجراء أمني كما يدّعي الاحتلال، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى تفريغ المسجد الأقصى من أهله الحقيقيين وكسر حالة الرباط الشعبي فيه خصوصًا دور النساء المقدسيات اللواتي شكّلن على مدار السنوات حالة إسناد يومي للمسجد المبارك. وقد أشارت المرابطات أنهن كنّ يتواجدن منذ ساعات الفجر الأولى خاصة في أوقات الاقتحامات لإحياء المسجد ومنع عزله عن محيطه الإسلامي والإنساني.  

ولذلك لم يتوقف الاحتلال عند الإبعاد فقط بل طالت المرابطات الاعتقالات والاعتداءات والإهانات المتكررة. فقد وثقت مشاهد وتقارير اعتقال عدد من المبعدات عند أبواب الأقصى فقط لأنهن رفضن مغادرة المكان أو واصلن التكبير في وجه المستوطنين.  


اقرأ أيضًا: صناعة الذاكرة: لماذا علينا أن لا ننسى الإبادة؟


لكن اللافت في سيرة هؤلاء النسوة أن الإبعاد لم ينجح يومًا في اقتلاع الأقصى من قلوبهن. فالمرابطة التي تُمنع من الدخول تتحول إلى حارسة للباب، والتي تُبعد عن الساحات تجعل من الأزقة المحيطة بالأقصى ساحات رباط جديدة. والتي يُمنع صوتها من الوصول إلى الداخل، ترفع تكبيرتها عاليًا حتى ترتج لها أبواب البلدة القديمة.

تقول إحدى المرابطات إنها تشعر بالذنب في اليوم الذي لا تستطيع فيه الوصول إلى الأقصى، وكأن الغياب عنه نقص في الروح لا يكتمل بدونه النهار.  هذه العلاقة ليست علاقة عابرة بمكان مقدس بل ارتباط وجودي صنعته سنوات الرباط الطويلة والدموع والدعاء، والخوف على المسجد من التهويد والاقتحامات.

سنعود قريبًا

IMG-20260525-WA0064.jpg

ومع اقتراب العيد يبدو المشهد أكثر وجعًا فالعيد في القدس ليس زينة وأسواقًا فقط، بل صلاة فجْر في الأقصى، وتكبيرات تتردد بين القباب، وأطفال يركضون في ساحاته، وعائلات تتبادل التهاني على أبوابه. لذلك فإن إبعاد المرابطات عن الأقصى في العيد يشبه اقتلاع الفرح من قلوبهن، وحرمانهن من أكثر اللحظات قداسة ومعنى.

ومع ذلك، لا تتحدث المرابطات بلغة الهزيمة بل بلغة الوعد واليقين. “سنعود قريبًا”، قالتها مبعدات الأقصى مرارًا، لأنهن يدركن أن الرباط ليس قرارًا موسميًا، بل عهد ممتد مع الله والمكان.   إن حكاية المرابطات المبعدات ليست قصة نساء مقدسيات فقط، بل قصة أمة كاملة اختُبر صدق انتمائها للأقصى. فهؤلاء النسوة اللواتي وقفن بأجسادهن العارية أمام آلة الاحتلال، لم يكنّ يملكن سوى التكبير والإيمان والثبات، لكنهن صنعن من حضورهن اليومي معادلة أربكت الاحتلال سنوات طويلة.

وفي زمن تتكاثر فيه الخذلان، تبقى المرابطات شاهدات على أن حماية المقدسات لا تحتاج دائمًا إلى جيوش جرارة، بل إلى قلوب صادقة تعرف طريقها إلى الله، وتفهم أن الرباط في الأقصى ليس حدثًا عابرًا، بل شرف العمر كله. ولهذا، حين تقول المرابطة المقدسية: “احنا جيران الأقصى… بس محرومين نعيّد فيه”، فهي لا تختصر ألمها وحدها، بل تختصر وجع القدس كلها.