لم أعد أخاف الظلام يا أمي، إذ صار الظلام أهون من تلك اللحظة التي يسبق فيها الصمتُ الانفجار. أهون من ليلةٍ ننام فيها ونحن لا نعرف إن كنّا سنستيقظ صباحًا أم سنُكتب ضمن الأسماء التي تُقرأ على عجل في نشرات الأخبار. كم صديق لي بعثرت أجزاؤه، كم بقي منهم قطيع الأطراف، كم فقدنا وكم وكم وكم…
كبرتُ يا أمي أسرع من الوقت، كبرتُ قبل أن أحفظ جدول الضرب، وقبل أن أتقن ألعاب الأطفال وألهو على شاطىء البحر وأبلل نفسي بالماء بدلًا من أن تصبح عتالته شغلًا لي. كبرتُ لأن الحرب لا تمنح الأطفال فرصة أن يكونوا أطفالًا، بل تدفعهم دفعةً واحدة نحو الخوف، نحو النضج القاسي، نحو إدراك الموت باكرًا.
كم كبرنا يا أمي

يقولون إنني طفل… لكن الأطفال في العالم ينامون بعد حكاية جميلة، أما نحن فننام على أصوات الخوف والتمتمات بالحفظ والصون والحماية والابتهال إلى الله. الأطفال هناك يخافون من الظلام، أما نحن فنخاف من الضوء الذي يتبعه القصف… الأطفال يحلمون بالرحلات والهدايا، أما نحن فنحلم فقط أن يمرّ الليل بسلام.
أتعلمين ما الذي فعلته الحرب بنا يا أمي؟ لقد جعلتنا ننتظر الموت كل ليلة وكأنه موعد معتاد… صار الدعاء الأخير قبل النوم ليس طلب نجاحٍ أو لعبةٍ جديدة، بل أن نبقى أحياء حتى الصباح. وفي أماكن أخرى من هذا العالم، يحمل الأطفال حقائبهم المدرسية بألوانٍ مبهجة، يتذمرون من الواجبات، ويضحكون في الطرقات، ويتشاجرون على المقاعد الأمامية في الحافلات.
أما نحن…فألعابنا بقيت تحت الركام ودفاترنا احترقت قبل أن تكتمل صفحاتها وحقائبنا امتلأت بالدماء بدل الأقلام. طفولتنا يا أمي لم تضِع دفعةً واحدة، بل تسرّبت من بين أيدينا ببطء في كل مرةٍ ركضنا فيها مذعورين، في كل مرةٍ اختبأنا فيها ونحن نرتجف، في كل مرةٍ رأينا الكبار عاجزين عن حمايتنا، الحرب لم تسرق بيوتنا فقط… بل سرقت النسخة القديمة منا، تلك النسخة التي كانت تضحك بلا سبب، وتفرح بأشياء صغيرة، وتنام دون أن تفكر بالموت.
أمي ليست بخير

أقسى ما فعلته الحرب بنا أنها جعلتنا نعتاد الرعب، صار صوت الانفجار يُصنف بحسب المسافة، وصار الطفل يميّز بين أنواع الصواريخ كما يميّز غيره بين الألعاب. وصار الركض أمرًا طبيعيًا، والبكاء أمرًا مؤجلًا، والخوف شيئًا نسكت عنه لأن الجميع خائفون أصلًا. حتى الأمهات تغيّرن يا أمي…
أراكِ كل يوم تحاولين أن تبدين قوية، لكن يديكِ ترتجفان حين نتأخر ثانيةً واحدة عن الرد، أراكِ تبتسمين لنا رغم التعب، وتُقسمين الطعام القليل وكأنكِ تملكين وفرةً لا تنتهي، تدّعين الشبع كي نأكل نحن، وتخفين خوفك كي لا نزداد خوفًا. وأنا…
أصبح الموت خبرًا يوميًا يا أمي، وهذه وحدها كارثة لا يفهمها العالم، أن يتحول الموت إلى شيء معتاد… هذا يعني أن الحرب نجحت في تشويه الحياة كلها.
أدركتُ متأخرًا أن البطولة ليست دائمًا في ساحات القتال، بل ربما تكون أمًّا تحاول ألا تنهار أمام أطفالها، امرأة تخيط الطمأنينة من قلبٍ مثقوب بالرعب، امرأة تحفظ أسماءنا في دعائها أكثر مما تحفظ اسمها. أحيانًا كنتُ أراكِ تبكين بصمت حين تظنين أننا نائمون. وكنتُ أفهم دون أن تسألي: أنكِ لا تخافين على نفسك، بل علينا نحن. على أعمارنا الصغيرة التي كبرت أسرع مما يجب، على قلوبنا التي تعبت من الاحتمال.
أصبح الموت خبرًا يوميًا يا أمي، وهذه وحدها كارثة لا يفهمها العالم، أن يتحول الموت إلى شيء معتاد… هذا يعني أن الحرب نجحت في تشويه الحياة كلها. صرنا نودّع الناس بسرعة، لأن الحرب لا تمنحنا وقتًا كافيًا للحزن. لا وقت للبكاء الطويل ولا للذهول ولا حتى لتصديق ما حدث. مجرد أسماء جديدة تُضاف إلى الغياب، ثم يستمر القصف وكأن العالم لا يتوقف من أجل أحد.
سريعًا كبرت يا أمي

أتعلمين ما المخيف حقًا؟ أن يتحول الخوف إلى عادة، أن نأكل ونحن خائفون، وننام ونحن خائفون، ونضحك أحيانًا ونحن خائفون، أن يصبح الأمان ذكرى بعيدة لا نتذكر شكلها جيدًا. أن ينسى الطفل كيف تكون الحياة الطبيعية، لأنه لم يعشها أصلًا. ومع ذلك يا أمي…نحن لم نطلب الكثير، لم نحلم بقصور ولا بثروات، كل ما أردناه بيتٌ لا يسقط فوق رؤوسنا، نافذة نفتحها دون أن يدخل منها الدخان، ليلة واحدة بلا وداع.
صباح واحد لا نعدّ فيه أسماء الغائبين. نحن لا نريد أن نكون صورًا في الأخبار، ولا أرقامًا في نشرات العالم الباردة، لا نريد أن ينظر إلينا الناس بحزنٍ عابر ثم يكملوا يومهم بشكل طبيعي. نريد فقط أن نعيش كما يعيش الأطفال، أن نركض في الشوارع دون خوف، أن نذهب إلى المدرسة دون أن نودّع أمهاتنا وكأننا ذاهبون إلى المجهول، أن نكبر بطريقةٍ طبيعية، لا بطريقة الحرب.
اقرأ أيضًا: ماذا تعلمنا غزة اليوم؟ أن الوفاء ديدن الأحرار
لكن رغم كل هذا الخراب…هناك شيء واحد لم تستطع الحرب قتله فينا. وما زلنا نحلم يا أمي، رغم كل شيء نحلم ببيت دافئ، بمدرسةٍ جديدة، بأرجوحة لا يقطع ضحكتها صوت انفجار. نحلم أن يأتي يوم ننام فيه دون خوف، ونستيقظ فيه على صوت الحياة لا الموت. ربما لهذا السبب لم تهزمنا الحرب لأن الإنسان حين يفقد قدرته على الحلم يموت فعلًا، ونحن رغم الجراح ما زلنا نؤمن أن الحياة تستحق أن تُعاش.
سنكبر يا أمي… ليس كما أرادت الحرب، بل كما نريد نحن، سنكبر وفي قلوبنا ذاكرة ثقيلة، نعم، لكن أيضًا سنحمل إصرارًا هائلًا على النجاة. سنحاول أن نبني من الركام حياة، ومن الخوف شجاعة، ومن الحزن معنى. وإذا سألنا العالم يومًا: كيف نجوتم من كل هذا؟ سنقول ببساطة: لأن أمهاتنا علّمننا أن الإنسان يمكنه أن ينكسر كثيرًا… دون أن يسقط.

