إنّ انتظار الفرج في عقيدتنا عبادة، يُجازى بها المرء على قدر صبره وثباته. ولعلّ أهالي الأسرى خير مثال في زماننا هذا، إذ يعيش كثير منهم على أمل لحظة حرية لا سقف زمني واضح لها، إنما تبقى مرهونة بقرار احتلالي جائر، ومع ذلك، يواصلون الانتظار على أحرّ من الجمر، بصبر وثبات يعجز المنطق أحيانًا عن استيعابه؛ كيف لا؟! وهم مع الله لا يبالون.
في هذا التقرير نسلّط الضوء على حكاية الأسير الموقوف محمد عزيزي من مدينة نابلس، إذ لم تُصدر محاكم الاحتلال بحقه حكمًا محددًا بالسجن، تاركًا خلفه زوجة تتسلّح بالدعاء والصبر، تستمد قوتها وثباتها على الابتلاء من سير الصحابيات الجليلات. وبلا شك، فإنّ الانتظار من أشدّ ما يُبتلى به المرء؛ فحينًا تفتر العزائم، وحينًا يشتدّ الثبات، لكن الإيمان والتضرّع إلى الله يظلان الحصن المنيع للاستمرار بثبات.
الاعتقال الإداري كابوس الأسرى

لفتتني إجابة أزهار، زوجة الأسير محمد عزيزي، عند سؤالي لها كيف تواسي قلبها في ظل غياب زوجها: “البلاء نزل نزل، وأكيد إله نهاية وقتما يشاء الله، لكن هل جد بنطلع منه وإحنا ناجحين وماخدين كل الأجر؟ التفكير بهالطريقة بقوّيني كثير، دون التركيز بتفاصيل غياب محمد وولادي، وإنه لحالي وهالقصص هاي ما بدخل فيها كتير، لأنها باب من أبواب الشيطان بحسّها لأضعف”.
وتضيف بلسان الصابرة المحتسبة: “بصبّر حالي بالدعاء لمحمد وإلي، وإنه ربنا يجعلنا من الصابرين الراضين، ونكون من الناجحين بهاد الابتلاء، ونخرج منه وإحنا مقبولين”.
اقرأ أيضًا: في سجن الشارون: ندوب لا تغيبها الزمن
تستدرك في حديثها لحظات الضعف والإحباط التي تصيبها كغيرها من البشر، إلا أنها سرعان ما تتغلب عليها بعون الله وفضله، إذ يتوجب عليها البقاء قوية أمام أطفالها؛ فهي الأم والأب وكل شيء بالنسبة لهم في ظل الغياب القسري للأب. في نهاية شهر يناير عام 2025، اقتحمت قوات الاحتلال منزل العائلة، واعتدى الجنود بالضرب على محمد، ثم قيّدوا يديه واعتقلوه.
والمفارقة أنّه في ذات اليوم الذي اعتُقل فيه محمد، أفرجت قوات الاحتلال عن شقيق زهراء ضمن صفقة طوفان الأقصى، وهو الأسير المحرر والمبعد زيد عامر. أصدر الاحتلال حكم الاعتقال الإداري بحق محمد لمدة ستة أشهر، وبعد تسعة أشهر تم تحويله لتحقيق “بتاح تكفا”، ودارت الأحاديث عن قضية، لكن حتى اللحظة لم تُصدر محاكم الاحتلال حكمًا بحقه، علمًا بأنه يخضع أيضًا لوقف تنفيذ لمدة 18 شهرًا.
غياب قسري

جاء اعتقال محمد بعد أربعة أشهر من إفراج السلطة الفلسطينية عنه، عقب اعتقال دام نحو 11 شهرًا، علمًا بأنه سبق واعتُقل لدى الاحتلال ما مجموعه خمسة أعوام. وفي العام الأخير، ارتبط الأسير محمد بزهراء، ليتمّا مراسم الزواج بعد تحرره.
خمسة أعوام من المحبة والألفة جمعت أزهار بمحمد، وقد رزقهما الله بطفلين: بلال (ثلاث سنوات ونصف) وخالد (سنتان). وقد أبصر خالد نور الحياة ووالده معتقل في سجون السلطة الفلسطينية، ولم يتسنّ لهما التعرف على بعض سوى أربعة أشهر، وهي المدة بين تحرره من سجون السلطة وإعادة اعتقاله من قبل الاحتلال.
عامان ونصف من أصل خمسة أعوام غيّبته سياسة “الباب الدوار” عن عائلته وممارسة دور الأبوة، محرومًا من رؤية ضحكات أطفاله وتفاصيل بدايات نموهم وحركاتهم. تفتقد زهراء زوجها كثيرًا؛ فالشوق والبعد طال، تفتقده في كل شيء، وخاصة مع أطفالها، إذ تفتقده في أي تطور بسيط يحدث لهم، وما يعزّ في قلبها أنها مقبلة على تسجيل بكرها بلال في الروضة.
اقرأ أيضًا: زغاريد مؤجلة... أمهات رحلن قبل لقاء أبنائهن الأسرى
مع اعتقال محمد، كان بلال دائم السؤال عن والده، كونه الأوعى وقد عاش معه فترة، ثم عاد ليسأل بطريقة طفولية أكثر، بحسب والدته: “صح بكرا جاي بابا؟ ومتى رح ييجي؟ صح رح يكسر قفل السجن ويطلع بابا؟”
أما خالد، فقد حُرم من قضاء وقت طويل مع والده نظرًا لإعادة اعتقاله، لكن زهراء تدرك أهمية استحضار سيرة زوجها أمام أطفالها، فتعرض لهم فيديوهات سابقة لمحمد، وتحاول زيادة قربهم وصلتهم به من خلال الحديث المتواصل عنه في أبسط الأمور الحياتية. وقبل خلودهم للنوم، يرفع بلال وخالد أيديهما الصغيرة برفقة والدتهم، ويتوجهون بالدعاء لمحمد والحديث عنه.
"بابا رح يكسر باب السجن ويروح"

وعن ظروف الاعتقال الحالية، أبدت أزهار تخوفها على حياة زوجها، الذي يعاني قسوة ما يعانيه نحو 9600 أسير في 27 سجنًا ومركز تحقيق، من إجراءات التنكيل والقمع والتجويع والإهمال الطبي. وعن قانون الإعدام، أعربت زهراء عن خوفها على الأسرى بشكل أكبر من زوجها، نظرًا لمحكومياتهم العالية وصعوبة ما يقاسونه في العامين الأخيرين، أي منذ حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، لكنها متوكلة على الله، مستودعة زوجها لديه.
كما ذكرت صعوبة منع الزيارات بعد أن كانت المتنفس الوحيد للتواصل ومعرفة تفاصيل حال الأسرى وأهاليهم، فكانت فسحة أمل للأسير وعائلته، ومن شأنها أن تشحن كلا الطرفين بالهمة والعزيمة والتفاؤل، رغم ما كان يتعرض له الطرفان من تنكيل وإهانة، وضيق الوقت الذي لا يتعدى الساعة.
اقرأ أيضًا: بين الأمومة واعتقال الزوج: كتبت دعاء اشتيه قصتها
وفي ظل ما تشهده السجون من سياسات لا إنسانية وظروف لا تمتّ للآدمية بصلة، فقد محمد من وزنه 27 كيلوغرامًا، كما أُصيب بمرض السكابيوس وتعافى منه بفضل الله، وحاليًا يقبع في سجن عوفر. ومما يرفع معنويات أزهار، حديث الأسرى المحررين عن السمعة الطيبة لزوجها، ومدحهم لحسن أخلاقه، فهو محبوب في صفوف الأسرى.
اعتقال محمد لم يزد أزهار إلا مزيدًا من الثبات والهمة، فأكملت مشروع زوجها الذي كان يعمل تاجرًا للملابس عبر الإنترنت، وافتتحت محلًا خاصًا به، في سبيل تطوير ما بدأه محمد قبل اعتقاله، وكان ذلك بتوفيق الله ودعم أهل زوجها ومحيطها من العائلتين. وأخيرًا، تطالب أزهار، كزوجة أسير، كلًّا عند مسؤولياته، بالوقوف أمام ما يتعرض له الأسرى من إعدام بطيء، وضرورة لجم الاحتلال عن أفعاله اللاإنسانية.

