في جغرافيا الوجع الفلسطيني، حيثُ تولدُ الأبجدياتُ من رحمِ المعاناة، تبرزُ أسماءٌ لا تُقرأُ كأفراد، بل كفصولٍ في كتابِ التحرر الخالد. ومن بين تلك الأسماء، يتلألأ اسم "رندة موسى"؛ ليس بوصفها زوجةً لشهيدٍ ملأ الدنيا بصموده فحسب، بل بصفتها أيقونةً قائمةً بذاتها، استطاعت أن تحوّل "الغياب" إلى "حضورٍ طاغٍ"، و"الانكسار" إلى "وثبةِ كبرياء" تليق بسلالة الأنبياء والمقاومين. إنَّ الحديث عن رندة موسى هو حديثٌ عن "الميمنة" التي لم تخذل قلب "الميسرة"، وعن الصدى الذي لم يسمح لصوت القيد أن يطغى على صوتِ الحق.
رفيقة الإضرابات الستة حتى الشهادة

هي المرأة التي لم تقف يومًا خلف خضر عدنان، بل وقفت بجانبه، كظله الذي لا يفارقه، وكنبضه الذي يستمدُّ منه عنفوان الإضراب، وكبرهانٍ ساطع على أنَّ البيوت التي تُبنى على العقيدة لا تهدمها الرياح. لا يمكن فهم عظمة رندة موسى دون الوقوف مليًا عند رفيق دربها الشيخ "خضر عدنان"؛ ذاك الذي جعل من جوعه سياطًا تجلدُ السجان، ومن جسده النحيل قلعةً لا تُقتحم ومدرسةً في فلسفة الكرامة الإنسانية.
خاض خضر ستة إضراباتٍ عن الطعام، كان آخرها إضرابُ الشهادة الذي امتد لـ 86 يومًا، ليرحل تاركًا خلفه وصيةً مكتوبة بالدم والجوع. لقد كان يمثل "الاشتباك المستمر" في أسمى تجلياته، وكان يدرك يقينًا أنَّ خلفه قلبًا لا يقلُّ عنه جسارة، قلبًا تقوده رندة، التي كانت تدركُ منذ اللحظة الأولى لارتباطهما أنها تتزوجُ "مشروع شهادة" لا مجرد "رجلٍ عابر"، وأنَّ مهرها سيكون الصبر والانتظار والوقوف على ثغور التحدي.
اقرأ أيضًا: مقصلة "القانون" والأسرى: الامتحان الأخلاقيّ الأخير
وحين نتأمل في كلام رندة موسى الذي وثقته المقابلات والميادين، نجد لغةً تتجاوز العاطفة المجردة لتصل إلى ذروة الوعي السياسي والوجودي. ففي إحدى وقفاتها الشامخة، حين سُئلت عن شعورها وهي تشاهد شريك حياتها يذوب أمام عينيها في زنازين الاحتلال، قالت بلسانٍ لا يرتجف: "لقد تعاهدنا منذ البدء أنَّ الحرية لا تُهدى بل تُنتزع، وأنَّ كرامة خضر هي كرامة كل فلسطيني".
تكمل: "لم أكن أراه يموت، بل كنتُ أراه يتحرر من قيود الطين ليحلق في سماء الخلود". هذا النص ليس مجرد كلماتٍ مرسلة، بل هو دستورُ البيت الذي أسسته؛ بيتٌ يقومُ على اليقين المطلق بأنَّ الحقَّ لا بدَّ له من ضريبة، وأنَّ الضريبة مهما عظمت، تظلُّ رخيصةً في سبيل القدس والكرامة."
وتضيف في موضعٍ آخر، واصفةً تلك الوحدة الروحية التي ربطتهما عبر جدران السجن: "كان خضر في زنزانته يضربُ عن الطعام، وكنتُ هنا في بيتي أضربُ عن الراحة. كان وجعه وجعي، وجوعه قوتي. لقد تقاسمنا الملح والماء عبر المسافات، وحين غاب الجسد، بقي خضر في تفاصيل كل حجرٍ في هذا البيت، وفي ملامح أطفالي الذين يرضعون العزة مع كل فجر".
تسعة أبناء وإرث من الكرامة

ولعلَّ أصعب المهام وأكثرها قداسةً تلك التي اضطلعت بها رندة موسى في تربية أبنائها التسعة، في غياب الأب المتكرر خلف القضبان، كانت هي الأب والأم، والمديرة والمربية، والحارسة ليقينهم الصغير. لم تسمح لليتم أن يتسلل إلى قلوبهم كمعنىً للانكسار أو الاستجداء، بل زرعته فيهم كأمانةٍ ثقيلة ووسام شرف. تحدثت عن رسالتها مع أبنائها قائلة: "أبنائي ليسوا أيتامًا بالمعنى التقليدي، فالشهيد حيٌّ فينا. والدهم لم يترك لهم عقاراتٍ ولا أموالًا، بل ترك لهم ميراثًا من الكبرياء لا يفنى.
حين يسألني الصغار عن أبيهم، أشيرُ إلى السماء وإلى كل أسيرٍ ما زال يقاوم. أقول لهم: أبوكم خضر هو الذي علمنا أنَّ الركوع لغير الله مذلة، وأنَّ الجوع أكرم من الذل". لقد استطاعت أن تخلق من بيتها في بلدة "عرابة" بمحافظة جنين "محرابًا" وطنيًا، حيث يكبر الأطفال وهم يشاهدون والدتهم تقود الاعتصامات وتواجه الكاميرات بقوةٍ تربكُ منظومة الاحتلال، مما خلق لديهم وعيًا مبكرًا بأنَّ الوجود الفلسطيني هو فعلُ مقاومةٍ يومي.
تجاوز دور رندة موسى حدود العائلة لتتحول إلى ظاهرةٍ مجتمعيةٍ ورمزٍ وطنيٍّ يُشار إليه بالبنان. أصبحت هي "الناطق الرسمي" باسم أوجاع أهالي الأسرى، وصوتَ من لا صوت لهم في المحافل. في كل وقفةٍ تضامنية، كانت كلماتها هي البوصلة؛ فهي تجمع بين الرصانة الأدبية والقوة الميدانية. لقد كسرت الصورة النمطية لزوجة الأسير المكلومة التي تكتفي بالانتظار السلبي، واستبدلتها بصورة "المرأة المحاربة" التي تديرُ المعارك الإعلامية والقانونية بكفاءةٍ مذهلة.
يوم الشهادة

تجلى تأثيرها المجتمعي في قدرتها على حشد الجماهير وبث الأمل في نفوس أمهات الأسرى المضربين، فكانت هي التي تُثبّت القلوب الواجفة، وهي التي تخاطبُ المؤسسات الدولية بلغةٍ حقوقيةٍ صارمة، تذكرهم بأنَّ صمتهم هو شريكٌ في الجريمة. هي تجسيدٌ حيّ للمرأة الفلسطينية التي تقودُ النضال الاجتماعي والسياسي، مؤكدةً أنَّ "البيت" هو خطُّ الدفاع الأول عن الهوية والوجود.
إنَّ بلاغة رندة موسى لا تكمنُ فقط في فصاحة لسانها، بل في "بلاغة الموقف" وثبات المبدأ. ففي يوم استشهاد الشيخ خضر، وبينما كان العالم يترقبُ ردة فعلها، خرجت برباطة جأشٍ أذهلت الصديق والعدو لتقول: "نباركُ لشيخنا هذه الشهادة التي تمنّاها وسعى إليها. لا نريد من أحدٍ أن يبكي، بل نريدُ من الجميع أن يكمل الطريق".
اقرأ أيضًا: "ما في سجن إلا زرته": أم الأسيرين شادي وأحمد سوقية
هذه الكلمات كانت زلزالًا ضرب أركان الاحتلال؛ لأنها أثبتت أنَّ "الاغتيال" لم يحقق هدفه في كسر الإرادة، بل إنَّ الفكرة التي مات من أجلها خضر، استنسختها رندة في آلاف القلوب بصلابتها. لقد وظفت بذكاءٍ وسائط الإعلام لتجعل من قضية زوجها قضيةً إنسانيةً عالمية، فلم يعد خضر عدنان مجرد رقمٍ في السجون، بل أصبح رمزًا كونيًا للتحرر، بفضلِ إصرارها على ملاحقة كل منبرٍ ليوصل رسالة الحق.
ختامًا، إنَّ رندة موسى، هذه القامة التي تحملُ في ملامحها وقارَ جنين وعنفوانَ جبالها، تمثلُ "العمق الاستراتيجي" للصمود الفلسطيني. هي الرسالة التي تقولُ للجلاد: إن قتلت المقاوم، فستواجه زوجته وأطفاله وشعبه بروحٍ أكثر إصرارًا ومضاءً. ستظلُّ رندة موسى "سادنة القيد"، التي ترفضُ أن يُغلق باب الأمل، والتي تُعلمنا بكلماتها وبصمتها وبثباتها، أنَّ المرأة في فلسطين هي "صانعةُ الأحرار" وحارسةُ الحلم.
لقد رحل خضر عدنان جسدًا، ليبقى "روحًا" تسكن في كلمات رندة، وفي نظرات أبنائه التسعة، وفي كل زنزانةٍ لا تزال تنتظرُ فجر الخلاص. إنها "سيدة اليقين" التي تمنحنا كل يومٍ سببًا جديدًا لنؤمن بأنَّ النصر قابَ قوسين أو أدنى، وأنَّ الحقَّ الذي يحميه هذا الصبر لا يمكنُ أن يضيع أو يندثر.

