جربتُ الكتابة أكثر من مرة عن قرار إعدام الأسرى الفلسطينيين؛ جريمة جديدة تُضاف إلى سجلٍ مثقلٍ بالانتهاكات، لكنني في كل مرة كنتُ أتراجع، كأن اللغة تعجز عن ملاحقة هذا القدر من القسوة. أسأل نفسي: ما شكل الإعدام بعد كل ما جرى؟ ماذا يمكن أن يكون أشدَّ وطأةً مما حدث ويحدث كل يوم؟ أيُّ إعدامٍ ذاك الذي يمكن أن يفوق عذابات الأسرى، وآلامهم الممتدة بين جدران لا ترحم، أو يفوق وجع وطنٍ مغتصبٍ يُحرم أبناؤه من العيش فيه بأمان؟ لقد صار كل يومٍ بالنسبة لهم معركةً مفتوحة، يخوضونها ليحموا ما تبقى: أنفسهم، عائلاتهم، أنفاسهم، وحقهم البسيط في الحياة.
لقد أصبح العالم أشبه بعلبةٍ زجاجية؛ شفافةٌ بما يكفي ليرى الجميع ما يحدث، لكنها صلبةٌ بما يكفي لتمنعهم من التدخل. أطرٌ محكمة تحيط بنا، إن حاولتَ تجاوزها جرحتَ نفسك، وربما جرحتَ من تحب. حريةٌ مشروطة، سقفها منخفض، ومفاتيحها بيد قوى لا يتسع ضميرها لأكثر من طرفٍ واحد. في هذا العالم، يبدو أن البقاء ليس للأعدل ولا للأحق، بل للأقوى عسكريًا، والأشد بطشًا، والأقدر على تبرير العنف. هنا، يصبح السؤال عن الحرية سؤالًا وجوديًا: ما معنى الحرية حين تُقاس بموازين مختلة؟ كيف تبدو حين تتحول إلى شعارٍ يُستخدم لتبرير القمع بدلًا من مقاومته؟
لا تُقاس الحرية بعدد كلماتٍ نُسمح بقولها، ولا بطريقة التعبير، ولا بحدود الموضوعات، ولا حتى بنمط التفكير. الحرية ليست قيدًا مخففًا، بل هي نقيض القيد. وفي لحظة صدقٍ مؤلمة، يقف الإنسان أمام حقيقةٍ قاسية: أحيانًا يبدو الموت أكثر رحمةً من حياةٍ تُسلب فيها الكرامة يومًا بعد يوم.
نحن نعيش في زمنٍ صار فيه لكل إنسان تعريفه الخاص للحرية، حتى بات هذا المفهوم نفسه ساحةً للصراع والاختلاف. تُكمَّم الأفواه باسمها، وتُسلب الحقوق بذريعتها، وتُحرَّف معانيها حتى تفقد جوهرها. الهواء الذي نتنفسه ملوثٌ بأبخرة الحروب، مثقلٌ برائحة الظلم، والعالم بأسره كجسدٍ يطلق إنذاراتٍ متتالية، لكن أحدًا لا يستجيب. رئة هذا العالم تختنق، ومع ذلك يصرُّ على الاستمرار في استنشاق السم ذاته.
لا تُقاس الحرية بعدد كلماتٍ نُسمح بقولها، ولا بطريقة التعبير، ولا بحدود الموضوعات، ولا حتى بنمط التفكير. الحرية ليست قيدًا مخففًا، بل هي نقيض القيد. وفي لحظة صدقٍ مؤلمة، يقف الإنسان أمام حقيقةٍ قاسية: أحيانًا يبدو الموت أكثر رحمةً من حياةٍ تُسلب فيها الكرامة يومًا بعد يوم. ومع ذلك، أتوقف طويلًا قبل أن أقولها، لأن في المقابل هناك صورة أخرى لا تقل حضورًا: فرحة الأسرى حين يلامسون الحرية، حين يعودون إلى الحياة، حين تستعيد أرواحهم ما سُلب منها.
الأسير الفلسطيني يعيش بين حدّين متناقضين: حلمٍ لا ينطفئ بالحرية، وعذابٍ يومي من التنكيل، والتجويع، والمرض، والإهمال. وما يسعى إليه هذا الكيان هو قتل حتى تلك الشرارة الصغيرة من الفرح، حتى لو كانت مؤجلة، مجروحة، أو رهينة انتظارٍ طويل.
اقرأ أيضًا: مشانق معلقة في صدور الأمهات: الأسيرة المحررة وأم الأسيرين
بماذا يحتفل هذا الكيان؟ يحتفل بإضافة جريمةٍ جديدة إلى سجلٍ لم يعد العالم يكلف نفسه عناء قراءته. سجلٌّ مفتوح على كل أشكال الانتهاك، ومع ذلك لا يُغلق، ولا يُحاسَب. ومن يعنيه هذا السجل أصلًا؟ العالم يرى، يعرف، لكنه يختار أن يعتاد. لقد أصبح الاعتياد أخطر من الجريمة نفسها، لأن الجريمة حين تُصبح مألوفة تفقد قدرتها على الصدمة، وتتحول إلى خبرٍ عابر.
الأسير الفلسطيني لم يدخل هذا الطريق صدفة، بل اختاره وهو يدرك أن ثمنه باهظ. منذ اللحظة التي قرر فيها الخروج من “الزجاجة”، ومعانقة الحرية الحقيقية، بدأ طريق العذاب. لكنه طريقٌ لا يُقاس فقط بالألم، بل بالمعنى. أما العالم، فماذا يفعل؟ يكتب على جدران الزجاجة شعاراتٍ براقة، يخوض معاركه بصمتٍ محسوب، بطريقةٍ تضمن بقاءه داخلها، آمنًا من كسرها. يسير الجميع في المسار ذاته، الذي يرسمه ضميرٌ عالميٌّ أثقلته التناقضات حتى اسودّ.
ومع كل هذا، يبقى هناك ما لا يمكن مصادرته: إرادة الشعوب. ما أثق به أن عزيمة شعبٍ تحمّل كل هذه السنوات لن تنكسر. بل ستزداد صلابةً، وسيزداد المؤمنون بحقهم تمسكًا بأرضهم، وبحريتهم، وبوطنهم. هذه ليست مجرد شعارات، بل حقيقة أثبتها الزمن.
كان لدى أمِّ الأسير أمل، كما كان لدى ابنته وأخته، وكل من علق قلبه به. كان الأمل هو ما يخفف وطأة الغياب، ويمنح الانتظار معنى. واليوم، حين يُطرح الحديث عن الإعدام، لا يُحكم على الجسد فقط، بل يُحكم على ذلك الأمل أيضًا. العالم من حولهم يغرق في فوضى صاخبة، ومع ذلك لا تصل صرخة، ولا تُسمع استغاثة. وإن سُمعت، سرعان ما تُدفن تحت ركام الأخبار. لقد اعتاد العالم هذه الزجاجة، اطمأن لها، بل ربما خاف الخروج منها، لأن الحرية الحقيقية تتطلب ثمنًا لا يريد دفعه.
ومع كل هذا، يبقى هناك ما لا يمكن مصادرته: إرادة الشعوب. ما أثق به أن عزيمة شعبٍ تحمّل كل هذه السنوات لن تنكسر. بل ستزداد صلابةً، وسيزداد المؤمنون بحقهم تمسكًا بأرضهم، وبحريتهم، وبوطنهم. هذه ليست مجرد شعارات، بل حقيقة أثبتها الزمن، في كل مرة ظنّ فيها العالم أن الحكاية شارفت على النهاية. لكنها لم تنتهِ، ولن تنتهي، ما بقيت جذور هذه الأرض ضاربةً في عمق التاريخ، وما بقي التين والزيتون شاهدين على حكاية الصمود.
كان الله في عونهم، وفي عون هذا العالم الذي يواجه ابتلاءً أخلاقيًا قبل أن يكون سياسيًا؛ ابتلاء الصمت، وامتحان القدرة على استعادة المعنى في زمنٍ يكاد يفقد فيه كل شيء معناه.

