في ظل الحرب المسعورة التي تقودها حكومة الاحتلال ضد الأسرى الفلسطينيين، صادقت لجنة الأمن القومي في الكنيست الإسرائيلي على مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، بعد إدخال تعديلات جوهرية عليه، تمهيدًا لنقله إلى القراءة الثانية والثالثة اللازمة لإقراره، قبل طرحه على الهيئة العامة للكنيست للتصويت النهائي خلال الفترة المقبلة.
وبعد سنوات طويلة ظل فيها هذا الطرح حبيس الشعارات السياسية والمزايدات الانتخابية، ينتقل اليوم من مجرد مقترح مثير للجدل إلى واقع تشريعي خطير يقترب من الاكتمال، في خطوة تحمل تحولات عميقة في طبيعة التعامل مع ملف الأسرى الفلسطينيين.
وخلال السنوات الماضية، دفع اليمين الحاكم في إسرائيل بشكل متواصل نحو إقرار قانون يجيز تنفيذ عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين، ترافق ذلك مع تصاعد الخطاب التحريضي والدعوات العلنية لتصفية الأسرى وإنزال أقسى العقوبات بحقهم وبحق عائلاتهم، في سياق سياسة عقابية جماعية تتجاوز الأطر القانونية والإنسانية.
شرعنة القتل

مرّ مشروع القانون بمراحل تمهيدية وقراءات أولى خلال عام 2025، قبل أن يخضع لسلسلة من التعديلات داخل اللجان المختصة، حيث تم تعديل أحد أهم بنوده؛ فبعد أن كان يشترط إجماع قضاة المحاكم الإسرائيلية لتنفيذ حكم الإعدام، أصبحت الصيغة الجديدة تكتفي بأغلبية القضاة، وهو ما يسهّل إصدار الحكم وتنفيذه خلال فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز 90 يومًا، بما يعني تسريع إجراءات القتل وتقييد مسارات العدالة.
كما تضمنت التعديلات تقليص فرص المراجعة القانونية، وتقييد أدوات الطعن، والحد من إمكانيات الاستئناف، إلى جانب إلغاء فعلي لإمكانية العفو أو تخفيف الحكم، فضلًا عن توسيع صلاحيات تطبيق القانون لتشمل المحاكم العسكرية في الضفة الغربية، الأمر الذي يعمّق من خطورته القانونية والإنسانية.
ويستهدف مشروع القانون بشكل أساسي الأسرى الفلسطينيين المتهمين بقتل إسرائيليين في سياق عمليات مقاومة، في حين لا ينطبق على السجناء الإسرائيليين المتهمين بقتل فلسطينيين، ما يجعله قانونًا تمييزيًا وعنصريًا يكرّس ازدواجية المعايير في تطبيق العدالة.
اقرأ أيضًا: "جكَر خلّوا الضو مضوي كل الليل": شهادات الأسيرات من سجن الدامون
تاريخيًا، شكّل ملف الأسرى ورقة ضغط تفاوضية مهمة في مسار الصراع، إلا أن إدخال عقوبة الإعدام إلى هذه المعادلة ينذر بتفكيك هذه الورقة، والإعلان عن مرحلة جديدة أكثر خطورة، يتم فيها استبدال أحكام السجن والمؤبدات بحكم نهائي لا رجعة فيه، يتمثل في التصفية المباشرة للأسرى.
وقد أثارت هذه الخطوات موجة من الانتقادات الدولية، حيث حذّر خبراء في القانون الدولي وحقوق الإنسان من أن تطبيق عقوبة الإعدام، لا سيما عبر محاكم عسكرية، قد يشكل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي، ويقوض الحق الأساسي في الحياة، ويضرب بعرض الحائط معايير المحاكمة العادلة.
إعدام على وجه السرعة

في فبراير/شباط الماضي، أعلن نحو 1200 شخصية إسرائيلية، من بينهم حائزون على جائزة نوبل ومسؤولون سابقون في الجيش وقضاة سابقون في المحكمة العليا، معارضتهم لهذا المشروع، واصفين إياه بأنه “وصمة أخلاقية” ستلاحق إسرائيل. في المقابل، صعّد وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير من دعواته لتطبيق عقوبة الإعدام، مؤكدًا ضرورة تنفيذها بحق من يصفهم بـ”الإرهابيين”، دون اكتراث لطبيعة الوسيلة المستخدمة، سواء كانت الشنق أو الإعدام بالرصاص أو غيرها من الوسائل.
وعلى أرض الواقع، بدأت مصلحة السجون الإسرائيلية بالفعل باتخاذ إجراءات عملية تمهيدًا لتنفيذ القانون، حيث كشفت تقارير إعلامية عن إنشاء مجمع خاص لتنفيذ أحكام الإعدام داخل السجون، مع تدريب طواقم مختارة على آليات التنفيذ، والاستفادة من تجارب دول أخرى في هذا المجال.
ووفق هذه التقارير، سيُطلق على هذا المجمع اسم “الممر الأخضر الإسرائيلي”، وسيتم تنفيذ أحكام الإعدام من خلال آلية محددة، تشمل مشاركة ثلاثة حراس في تنفيذ الحكم بشكل متزامن، على أن يتم التنفيذ خلال مدة لا تتجاوز 90 يومًا من صدور القرار القضائي النهائي.
اقرأ أيضًا: مقصلة "القانون" والأسرى: الامتحان الأخلاقيّ الأخير
وتشير تقديرات إسرائيلية إلى أن التطبيق الأولي للقانون قد يستهدف أسرى من وحدات النخبة في حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، ممن تتهمهم إسرائيل بالمشاركة في هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، على أن يتوسع لاحقًا ليشمل أسرى آخرين من الضفة الغربية.
في المقابل، نددت الفصائل الفلسطينية بمصادقة اللجنة على مشروع القانون، معتبرة إياه خطوة خطيرة تمهد لارتكاب جرائم قتل ممنهجة بحق الأسرى داخل السجون، مؤكدة أنه يتعارض مع كافة القوانين والمواثيق الدولية المتعلقة بأسرى الحرب، وحمّلت الاحتلال المسؤولية الكاملة عن تداعياته، مشددة على أن المساس بحياة الأسرى يشكل خطًا أحمر.
ولا شك أن المصادقة على هذا القرار ستفتح أبواب الغضب والتصعيد، في ظل الارتفاع الكبير في أعداد الأسرى، واستمرار سياسات التنكيل الممنهجة التي تمارسها إدارة السجون بحق أكثر من 9350 فلسطينيًا، وفق معطيات مؤسسات الأسرى. وتكمن خطورة هذا القانون في أنه يمهّد لتحويل السجون إلى ساحات تصفية مباشرة، بعد سنوات من ممارسات لا إنسانية شملت التعذيب والتجويع والإهمال الطبي، والتي أدت بالفعل إلى استشهاد عدد من الأسرى.
نصب أعواد المشانق

في ظل هذه التطورات، تصاعدت الدعوات لتكثيف الجهود الداعمة لقضية الأسرى، وتصعيد الفعاليات الشعبية، إلى جانب مطالبة المجتمع الدولي ومؤسسات حقوق الإنسان بالتحرك العاجل لوقف هذا القانون قبل إقراره بشكل نهائي.
وقد شكّل هذا القرار صدمة عميقة لعائلات الأسرى، التي تعيش حالة من القلق والترقب على مصير أبنائها، في ظل ما يصفونه بأسوأ مرحلة تمر بها الحركة الأسيرة، وسط مطالبات بتوحيد الجهود وتفعيل القضية على المستوى الدولي. من جهته، أكد مكتب إعلام الأسرى أن هذه الخطوة تمثل مرحلة بالغة الخطورة، تتطلب تحركًا عاجلًا من كافة الجهات الفلسطينية الرسمية والشعبية، إلى جانب المؤسسات الحقوقية والدولية، للضغط على الاحتلال ومنع إقرار هذا القانون.
كما جددت مؤسسات الأسرى في بياناتها المتكررة نداءها للمجتمع الدولي للتدخل الفوري والفاعل، مشيرة إلى أنها وجهت رسائل عديدة إلى الجهات الحقوقية الدولية، وفي مقدمتها هيئة الأمم المتحدة، إلى جانب التواصل مع ممثلي الدول والبعثات الدبلوماسية، لوضعهم أمام خطورة التطورات المتسارعة، سواء فيما يتعلق بمشروع القانون أو بواقع الانتهاكات المستمرة داخل السجون.
اقرأ أيضًا: شتاء الدامون: رسائل الأسيرات ينقلها المحامي حسن عبادي
وعلى مدار سنوات طويلة، انتهج الاحتلال سياسة “الإعدام البطيء” بحق الأسرى، من خلال ممارسات ممنهجة أدت إلى استشهاد العديد منهم، فيما شهدت الفترة الأخيرة، وخاصة خلال الحرب على قطاع غزة، تصعيدًا غير مسبوق، حيث قُتل العشرات من الأسرى الذين عُرفت هوياتهم، فيما لا يزال آخرون رهن الإخفاء القسري، في ظل احتجاز جثامينهم ضمن سياسات انتقامية.
إن هذا القانون لا يمثل مجرد إجراء قانوني، بل يؤشر إلى تصعيد خطير يستهدف الحركة الأسيرة الفلسطينية بشكل مباشر، ويكرّس سياسة انتقامية ممنهجة تسعى إلى شرعنة القتل، في إطار سياسات أوسع تهدف إلى تقويض القضية الفلسطينية.
كما يعكس إقراره المحتمل حالة من التواطؤ الدولي والعجز عن محاسبة الانتهاكات، في ظل صمت مؤسسات دولية يفترض بها حماية الحقوق الأساسية للإنسان، وعلى رأسها الحق في الحياة، ما يطرح تساؤلات جدية حول جدوى المنظومة القانونية الدولية في مواجهة مثل هذه السياسات.
وفي المحصلة، فإن المضي في إقرار هذا القانون ينذر بمرحلة أكثر قتامة، تتحول فيها السجون من أماكن احتجاز إلى مساحات مفتوحة للموت، في مشهد يعكس تصاعدًا خطيرًا في سياسات القمع، ويضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمسؤولياته الأخلاقية والقانونية.

