تدقّ صافرة الإنذار، فيسكن كلّ شيء حولي، ويضجّ كلّ شيء داخلي. منذ بدأت الحرب، صار لصوت الصافرة معنى آخر؛ لم يعد مجرّد تحذير عابر، بل ارتجافة تمتدّ في القلب، وقلقٌ يتسلّل إلى الروح. أخفي خوفي عن أطفالي، أبتسم أمامهم، أتصنّع الطمأنينة، كي لا يرثوا عني هذا الاضطراب. لكن الحرب ثقيلة، وصداها لا يُخفى. كلّما سمعتُ عن صواريخ في السماء، شعرتُ بأن الأرض تضيق، وأن السماء نفسها تزدحم بالخطر.
أتذكّر غزة… أتذكّر وجوهًا أنهكها الفقد، وروائح لا تُنسى من الجوع والبرد والقصف. أسأل نفسي: كيف صبروا؟ وكيف ما زالوا يصبرون؟ فأخجل من خوفي، وأعود فأدعو: اللهمّ كن لهم، واجبر قلوبهم. أتابع الأخبار بقلقٍ لا يهدأ. أصواتٌ من حولي تدعو إلى التخزين: أرز، سكر، طحين، شموع، مولدات… وأصواتٌ أخرى تحذّر من غلاءٍ قادم. أقف بين هذا وذاك، كأنني مقيّدة لا أدري ماذا أفعل.
اشتريتُ بعض الحاجيات، أشياء بسيطة قد تُسعفني إن اشتدّ الحال. لا أجيد الخَبز، لكنني أُطمئن نفسي بأنني سأتعلم إن اضطررت. اشتريتُ مصباحًا يعمل بالكهرباء وبالطاقة الشمسية، وأشياء أخرى صغيرة، لكنها بدت لي كبيرة في لحظة خوف. ثم هناك من يزيد القلق… أشخاصٌ كأنهم لا يحملون إلا الأخبار الثقيلة، يحدّثونك عن الأسوأ دائمًا: “لن تجدوا ماء”، “خزّنوا كل شيء”. أستمع إليهم، فأشعر أن الخوف يتضخّم، رغم يقيني أن الأمور بيد الله، وأن لطفه قريب.
حين تدقّ صافرة الإنذار، ويعلو صوت الانفجار، أغمض عينيّ وأهمس: “يا ربّ، الطف”. فالقصف ليس صوتًا فقط، بل رائحة تخنق الأنفاس، وذكرى لا تغادر. أتجمّد حين أتذكّر أولئك الفتيات اللواتي قضين شظايا صاروخٍ طائش، وهنّ يستعدن للعيد. لا ذنب لهن، ولا علاقة لهن بالحرب، لكن الحرب لا تفرّق. رحمهن الله، وربط على قلوب أهلهن.
اقرأ أيضًا: صهيب الحاطوم: المنشد المقاتل بين الشهداء
تمرّ اللحظات، وتعود الحياة كما كانت، لكن شيئًا ما لا يعود كما كان. يبقى السؤال معلّقًا: متى تنتهي هذه الحرب؟ وهل سنقضي عامًا آخر في هذا القلق؟ ثم أفكّر في الناس… في من لا يملك إلا قوت يومه، كيف سيواجه الغلاء؟ كيف سيصمد أمام هذه الأعباء؟ فالحرب لا تُرهق القلوب فقط، بل تُثقل الحياة بكل تفاصيلها. تأتي أصواتٌ مطمئنة من المسؤولين، تدعو إلى الهدوء وعدم التهافت، فأتشبّث بها. لكنني أرى الناس من حولي يندفعون للشراء، ترتفع الأسعار، ويزداد الارتباك.
أقف حائرة: هل أندفع مثلهم؟ أم أتمسّك بالطمأنينة وأنتظر الفرج؟ أحاول أن أستعيد توازني… أذكّر نفسي أن التسليم لقضاء الله يمنح القوة، وأن العقلانية ضرورة في أوقات الخوف. لكن، رغم ذلك، يبقى لصافرة الإنذار أثرها؛ تعيد إليّ ذكريات الخوف القديمة، من أزمنة الحظر والقلق، ومن صور بلادٍ حُرمت الأمان، وأقربها إلى القلب… غزة.
أدعو: اللهمّ سلّم، اللهمّ احفظ، اللهمّ اكتب السلام. أعرف أن هذه الحرب ستنتهي، كما انتهت غيرها، لكن العالم لا يهدأ طويلًا. ومع ذلك، يبقى الأمل حاضرًا، ولو خافتًا. صافرة الإنذار ليست صوتًا عابرًا… إنها حكاية خوف، وصبر، ودعاءٍ لا ينقطع. وفي القلب رجاءٌ لا يخبو: أن يأتي يومٌ نصحو فيه… بلا إنذار، وب

