بنفسج

صهيب الحاطوم: المنشد المقاتل بين الشهداء

الخميس 26 مارس

زوجات الشهداء في غزة
زوجات الشهداء في غزة

قضت الحرب بسلام من نزوحٍ إلى نزوح، تنتظر نهايتها وقلبها معلق بأمنية بسيطة: أن يعود صهيب، أن يجلس معها في بيتهم كما كان يفعل، ويملأ المكان بصوته الندي وهو ينشد لها، فتنسى معه تعب الأيام. كانت تعلم أنه وهب نفسه لله وللوطن، فخرج منذ اليوم الأول للحرب ولم يعد.

مضت الأيام ثقيلة، وكل مساء كانت تطفئ خوفها بالصبر، وتعلّق قلبها بوعد اللقاء. حتى جاءت الهدنة الأولى، فوصلها صوته بعد غياب. سألته بصوت مثقل بالحنين: "متى ستنتهي الحرب لألقاك يا صهيب؟"، فصمت لحظة، ثم قال بهدوء يشبه اليقين: "سنلتقي في الجنة يا زوجتي."

لم تدرك حينها أن كلماته كانت وداعًا أخيرًا. فما هي إلا أيام حتى جاءها الخبر الذي مزّق القلب: رحل شهيدًا، ثابتًا في الميدان حتى النفس الأخير، تاركًا خلفه إرثًا جميلًا؛ ثلاث بنات يشبهنه، أصبحن سلواها الوحيد في غيابه.

هنا تروي لنا زوجة الشهيد المقاوم والمنشد صهيب ماهر الحاطوم، سلام عمار، كيف كان زوجها رجلًا مجاهدًا، وكيف أضنى قلبه الفراق قبل الرحيل، وما كانت أمنيته الأخيرة، وماذا قال لها في المكالمة الأخيرة وبماذا أوصاها. تحكي عن بناته الثلاث في الغياب، وعن ابنته التي وُلدت في الحرب وكان يتمنى أن يراها، وعن سيرة الرجل المقاتل في ميادين الجهاد.

ورحل صهيب

المنشد صهيب الحاطوم.jpg

في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2024، دق هاتف سلام، وكان المتصل صهيب. أخبرها أنه يريد أن يرى بناته عبر مكالمة فيديو، وقال بألم: "يا الله شو مشتاق الكم يا سلام… مشتاق للبنات، لازم أحضنهم."

تقول سلام: "كنت خارج الخيمة وقتها عند عائلته. تحدث مع والديه وقال لهما: والله إني أشم رائحة الجنة، فارضوا عني. ودّعنا وأغلقنا المكالمة، وبعدها شعرت بشيء أطبق عليّ، كأن أنفاسي تُسحب مني. بكيت وأنا في طريقي إلى خيمتي، حتى وصلني الاتصال الذي أُبلغت فيه باستشهاد صهيب."

كان صهيب قد وعد سلام أن يهاتفها ليلًا مرة أخرى، وعدًا صغيرًا تعلّقت به كأنه طوق نجاة. في البداية لم تصدق الخبر الذي وصلها، وبقيت تحدّق في الهاتف طويلًا، كأنها تنتظر أن يرن في أي لحظة، ليأتيها صوته الضحوك كما اعتادت: "وين يا سلوم… مشتاقلك."


اقرأ أيضًا: لطيفة القطاع: أمومة تأخرت 6 سنوات وانتهت تحت الركام


كانت تتشبث بهذا الأمل رغم كل ما قيل لها، وكأن قلبها يرفض التسليم بالفقد. لكن إنكارها لم يدم طويلًا. حين بدأت الحقيقة تثقل صدرها، وضعت وجهها بين كفيها وهمست بصوت خافت: "اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيرًا منها… إنا لله وإنا إليه راجعون. الجنة تليق بك يا نقي يا تقي." ثم أجهشت بالبكاء حتى غلبها الألم وأغمي عليها. وبعد وقت قصير أفاقت، مثقلة بالحزن لكنها أكثر تسليمًا، فنهضت تتوضأ، لتجد في الصلاة ملجأً لقلبها المنكسر.

تضيف وهي تمسح دموعها: "لم أستوعب الفكرة. كيف لرجل كان قبل ساعات يقول: مشتاق أحضن البنات، أن يصبح الآن خبرًا يُروى بصيغة الماضي؟ كيف لرجل لم يمض على كتابته منشورًا على إنستغرام سوى دقائق أن يرحل؟ كان قد كتب: "إذا لم تتحركوا لإنقاذ الشمال فسنكون نحن الخبر الآن." وفعلًا بعدها مباشرة التحق بركب الشهداء."

في سيرة الزوج الحنون

المقاوم صهيب الحاطوم.jpg

قبل الحرب بيوم واحد، أصرّ صهيب على سلام أن يخرجا مع البنات في نزهة إلى شاطئ البحر، كأنه كان يريد أن يختزن لحظة هدوء أخيرة مع عائلته. لحظات بسيطة بدت يومها عادية، لكنها أصبحت لاحقًا ذكرى لا تُنسى. وعند تمام الواحدة ليلًا تلقى صهيب اتصالًا غيّر ملامح الليل. نظر إليها بهدوء وقال: "سنعدّ العدة يا سلوم… هي لله، وادعيلي كثير."

ثم عانقها عناقًا طويلًا كأنه يودعها دون أن يقول ذلك صراحة، ورحل مسرعًا، بينما بقيت هي واقفة في مكانها تحاول استيعاب اللحظة. لم تستطع أن تقول شيئًا سوى كلمات خرجت من قلبها المرتجف: "استودعتك الله الذي لا تضيع ودائعه."

في فجر التاسع عشر من أكتوبر 2024، استيقظت سلام على صوته الدافئ يقول: "اشتقت لكِ يا فتاتي الثلاثينية." تقول: "تحدثنا طويلًا على غير العادة، ثلاث ساعات متواصلة، كأننا نحاول أن نسرق من الوقت ما استطعنا." سألته: "متى ستنتهي الحرب لألقاك يا صهيب؟" فأجاب بهدوء: "سنلتقي في الجنة يا زوجتي."


اقرأ أيضًا: نور الهدى النبيه: أي ذاكرة أحملها وقد شهدتُ مقتل طفلاي؟


قالت: "يارب نلتقي في الدنيا قبل الآخرة." فأجاب بصوت ممتلئ بالحب: "أسأل الله الذي لم يُشبعني منكِ في الدنيا أن أحتضنكِ حضنًا على باب الجنة ينسيني مرارة بُعدك عني." عندها لم تتمالك سلام نفسها، فبكت كثيرًا. شعرت أن كلماته أقرب إلى وداع منها إلى حديث عابر. طلب بعدها أن يكلم البنات، فحدثهن وضحك معهن وغنّى لهن كما كان يفعل دائمًا، ووعدهن أنه عندما يراهن سيشتري لهن شاورما ويأخذهن إلى "بوظة حمادة"، المكان الأقرب إلى قلبه وقلب بناته. وظل ذلك الوعد الصغير عالقًا في قلبها وقلوبهن.

تضيف سلام: "قبل الرحيل زار عماته وخالاته وأصدقاءه جميعًا، وكأنه كان يودعهم بهدوء. كان حنونًا لدرجة لا توصف. تكفل بعائلة لديها ثلاثة توائم، يوفر لهم الحليب والبامبرز من جيبه الخاص، كما كان يهتم بامرأة مسنة يحمل لها الماء والطعام يوميًا." وتتابع: "حدثوني أنه قبل أيام من استشهاده، ومع شدة المجاعة، أطعم قطة وشربت من الماء الذي كان سيشربه هو، فتركه لها."

اشتقنا لبابا

الشهيد صهيب الحاطوم.jpg

كان صهيب أبًا حنونًا شديد التعلق ببناته الثلاث. آخر العنقود وُلدت في الحرب ولم يرها والدها قط، إذ استشهد وعمرها أربعة أشهر فقط. تقول سلام: "ابنتنا الكبرى جنى كان يناديها ريحانة القلب. بعد الهدنة قالت لي: "وأخيرًا رح نرجع غزة ونحط الخيمة جنب قبر بابا… بدنا نونسه، بدناش نبعد عنه."

أما لمى، ذات الأربع سنوات، فتردد دائمًا: "اشتقت لبابا… بدي أروح عالجنة." وتستذكر سلام رؤيا رأتها قبل الحرب بأيام، تقول: "رأيت أنني أصعد الدرج مع بناتي جنى ولمى، وصهيب خلفنا. فجأة انشق الدرج، وصار هو بين النيران يلوح لي مودعًا، لكنه كان مبتسمًا."

رحل صهيب، لكنه كان يشعر بقرب الرحيل. كان آخر ما كتبه على صفحته في فيسبوك: "جاهزون نحن للشهادة كما كنا جاهزين يومًا للحياة، جاهزون لأن تُسمع أسماؤنا من الجميع وتُزخرف بعدها بالشهيد." كما أرسل لزوجته تسجيلًا صوتيًا أوصاها ألا تفتحه إلا عند استشهاده، قال فيه: "هذا موسم قطف الأرواح، والجنة تفتح أبوابها لأهل غزة، هنيئًا لمن اصطفاه الله في هذه الأيام، وأسأل الله أن أكون منهم."

وتختم سلام حديثها قائلة: "كان متلهفًا أن نلتقي ليحدثني عن كل ما عاشه في الميدان، عن صلابته ومواقفه وإنجازاته التي يفتخر بها، لكنه استشهد قبل ذلك. كان قد أخبرني أن أخاه أحمد سيحدثني بكل شيء، لكن أحمد أيضًا التحق بأخيه قبل أن أراه."