بنفسج

لطيفة القطاع: أمومة تأخرت 6 سنوات وانتهت تحت الركام

الأحد 21 ديسمبر

زوجات وأمهات الشهداء
زوجات وأمهات الشهداء

كانت لطيفة القطاع ممددة على أرض المشفى الباردة، تتشبث بأنفاس متقطعة، بالكاد ترفع عينيها لترى زوجها محمد إلى يمينها، تحيط به الوجوه المرتبكة والأيدي التي تحاول إنقاذ ما تبقى من حياته. كانت ما تزال تحت وقع خبر فقدان صغيرتها سما، لكن الصدمة حجبت دموعها وجمّدت كل شيء في داخلها. قطع شرودها همس أصدقاء محمد وهم يلحّون برجاء مرتجف: "اتشاهد يا محمد.. اتشاهد".

ارتفع صوت الممرض معلنًا خطورة وضعه، فوُضع له الأكسجين، وسمعت لطيفة بوضوح تتابع أنفاسه الثقيلة. وفي الشهقة الأخيرة نطق الشهادة بصوت خافت، فارتجف قلبها وهي تسمع من حوله يقولون: "سلم على أبوك". هناك أدركت أنّ الوداع قد وقع.

تبدأ لطيفة القطاع، زوجة الشهيد محمد حمادة وأم الطفلة سما ذات الثمانية أعوام، حديثها عن زوجها وطفلتها الوحيدة التي جاءت بعد ستة أعوام من الانتظار، لتروي بصوت مثقل بالفقد تفاصيل ليلة الاستهداف وألم الفراق ووحشة الرحيل.

آخر حديثه… الشهادة

inbound4582917801002627907.jpg

في 20 مايو 2024، فتحت لطيفة عينيها وسط عتمة خانقة أحاطت بكل ما حولها. حاولت تحريك رأسها، لكن جسدها كان أثقل من أن يطاوعها، وكل محاولة لالتقاط النفس كانت تصطدم بالغبار المتساقط فوق صدرها. للحظة اعتقدت أنه كابوس، لكن إدراكًا موجعًا تسلل إليها: إنها تحت الركام. حينها ردّدت الشهادتين قبل أن تفقد وعيها.

في المشفى، استفاقت لتجد نفسها على الأرض، وابنتها قد فارقت الحياة، وزوجها محاطًا بالممرضين الذين يحاولون إنعاشه. سمعت أحدهم يصف حالته بأنها حرجة للغاية، فاهتزت من الأعماق. دقائق معدودة، ثم صعدت روحه بعد أن نطق الشهادة، فكان سلوانها أنه رحل راضيًا محتسبًا. حاولت رفع جسدها لتستوعب ما جرى، لكنها لم تستطع. أغمضت عينيها وتمتمت بصوت واهن: "إنا لله وإنا إليه راجعون".


اقرأ أيضًا: بين الفقد والذكريات: حارسات الحب يكتبن أملًا في صفحات الأمل


تقول: "رضيت، لكن هذا الألم يفوق قدرتي على الاحتمال. أعز ما أملك رحلا معًا، وتركوني وحدي أعاني لوعة الفقد. لم أهتم لإصابتي، بكيت وأنا لا أقوى على الحركة، ثم أغمي عليّ مجددًا، وظن الأطباء بوجود نزيف داخلي، قبل أن يتبين أنها حالة هبوط حاد بالضغط".

بعد فترة قصيرة، أحضروا الصغيرة سما لتودعها. لم تستطع احتضانها بسبب الألم، فاكتفت بتقبيل جبينها: "الله يسهل عليكِ يا ماما". ثم طلبت وداع زوجها، فحملوها إلى حيث كان، ومن نافذة الباص الذي سيقله إلى مثواه الأخير قبّلته القبلة الأخيرة.

ضربتان موجعتان

inbound4870641023032388401.jpg

أثقلت الحرب كاهل لطيفة، لكنها لم تتخيّل يومًا أن تبقى وحيدة دون رفيق دربها، مدرس الجغرافيا الذي تزوجته عام 2010 ليمضيا معًا الحلوة والمرة. حُرما من الأطفال لسنوات، فكان يشجعها على الصبر والثبات، حتى رُزقا بسما بعد عملية زراعة أطفال الأنابيب، لتكون نور حياتهما المنتظر. تبتسم وهي تقول: "أذكر عندما علم زوجي بحملي، سجد لله شكرًا من فرحه. كان يرافقني في كل زيارة للطبيب، حتى موعد الولادة، حين بقيت سما في الحضانة ثلاثة أيام. لم يفارق بابها حتى اطمأن عليها".

كبرت سما، وحفظت جزء عم في الصف الأول، وحصدت المركز الأول في مسابقة العائلة القرآنية. كانت محبوبة من الجميع، شديدة التعلق بعمتها وجدتها، ترتدي فستانها الوردي وتصف نفسها بأنها "الأميرة". تقول والدتها: "كانت تسألني عن الجنة، فأخبرها أنها نعيم لا يشبه شيئًا في الدنيا، فتطلب الشرح، ثم تقول بطفولتها البريئة: يارب نروح كلنا الجنة أنا وإنت وبابا مع بعض. وقبل استشهادها بيوم طلبت أن أعانقها، ولم أكن أعلم أنه العناق الأخير".

كانت الصغيرة حنونة كوالدها، تتعلق بأمها وتتمنى أن تراها في أفضل المراتب. تقول لطيفة: "كنت أقول لزوجي إن لم نرزق بغير سما فأنا راضية، فقد ملأت حياتنا بالحب وكأن لدينا عشرة أبناء"، فيبتسم مؤكدًا حديثها. رحل محمد وسما، وتركا لطيفة تواجه وحدها ثقل الفقد. لكنها تماسكت، لم تجزع، وظلت واقفة بقلب ثابت تروي سيرة الرجل التقي الذي كان سندها، والطفلة الجميلة التي بقي نورها يدلهّا في عتمة الأيام. تختم حديثها: "رضيت بقضاء الله وصبرت. اللهم لقاء قريب بأحبتي في الفردوس الأعلى".