بنفسج

تكبيرات العيد تخفي حنينًا لشهيدي الغائبين

الخميس 19 مارس

أمهات الشهداء في الضفة الغربية
أمهات الشهداء في الضفة الغربية

ما إن فتحت الخالة امتياز قبها، من مخيم نور شمس في طولكرم، خط الهاتف وردّت السلام عليّ، حتى شعرت بقربها ولطافة حديثها. في صوتها طمأنينة ترافقها ابتسامة كأنها نابعة من القلب، ولولا معرفتي بحالها وعظيم ابتلائها لغبطتها.  طلبتُ منها إجراء مقابلة لإعداد تقرير مكتوب أسلط الضوء من خلاله على نموذج المرأة الصابرة المحتسبة على فراق فلذتي كبدها، غيث ومحمد شحادة، اللذين ارتقيا شهيدين قبل نحو عامين. تغدق الأم على نجليها بالرضا، وتحن إليهما حدّ الوجع وحدّ البكاء؛ فالفقد صعب، فكيف لقلبٍ واحد أن يحتمله مرتين، وبفارق زمني لا يتجاوز سبعة أشهر؟

عيد بطعم الفقد

IMG-20260319-WA0005.jpg

أما عن مشاعرها بقرب عيد الفطر ونجليها تحت التراب، يفوق الوصف، يتخطى الألم، شعور مخيف، فيه من الألم والغصة والحسرة ما يعجز القلب عن احتماله، لكنه الايمان بالله وادراكها انهم عند الرحمن الرحيم ما يهدأ من روعها، لكن دموعها، تغلبها فتجهش بالبكاء دون مقاومة،  تبكيهم طوال ليلة العيد وسط دعواتها لهما، وحنينها الذي تبثه لهما كما لو أنهما بقربها يسمعانها.

 هذا حالها منذ أربعة أعياد مضت ومحمد وغيث مغيبين، غيبهم بطش الاحتلال وإرهابه بعد القاء صواريخ استهدفت اماكن تواجدهم في مخيم نور شمس. تستذكر كل تفاصيل الأعياد السابقة برفقتهم، كيف يستيقظون متلهفين لصلاة العيد بعد ان يقبلا رأسها ويطلبان رضاها وكذا والدهم، هيأتهما في أبهى صورها أصواتهما في المنزل، زيارتهما للأقارب، كلها تفاصيل تغيب عن المسهد للمرة الخامسة.

بلسان المرأة الصابرة المحتسبة، تتحدث أم غيث وتسرد قصة بكرها غيث، الذي ارتقى قبل شقيقه محمد، رغم أن العائلة كانت تتوقع استشهاد محمد أولاً، إذ انخرط في صفوف المقاومة مبكرًا، لكن قدر الله نافذ. وبفارق ستة أشهر ونصف، لحق محمد بشقيقه غيث شهيدًا، لتتجرع العائلة مرارة الفقد مرتين؛ إذ لم يكن الدمع قد جف بعد، ولا اندمل القلب، حتى خيّم الحزن من جديد على عائلة شحادة.

في سيرة الشهداء

IMG-20260319-WA0009.jpg

ولم يكتفِ الاحتلال بقتل اثنين من أبنائها، بل هدم منزل العائلة مرتين، ثم أخرجهم منه قسرًا، شأنهم شأن بقية عائلات المخيم التي أصبحت نازحة بعد العملية العسكرية الواسعة التي شنها الاحتلال على مخيم نور شمس قبل نحو عام. حينها هدمت الجرافات المنزل، ودُفنت تحت الركام ذكريات كانت تجمع العائلة بالشهيدين، وهو ما يعزّ على أم غيث، التي تبدي حسرتها على هدم منزلها، آخر ما تبقى لها من رائحة نجليها وذكرياتهما.

تفتقد الخالة امتياز بكرها غيث، سندها كما تصفه العائلة أيضًا. تستذكر صفاته المميزة، قراراته الحكيمة المتزنة، ورجاحة عقله، ومحبة الناس له. تتحدث عن كرمه قائلة: "غيث، الله يرضى عليه، كان مميزًا بكل شيء؛ مميزًا بحضوره بين أصدقائه وفي العائلة، وفي كل مناسباتها."

أما محمد، فكان الشاب الخلوق المؤدب، وأكثر ما يميزه حنانه على والدته وعلى كل من عرفه. كان شابًا خدومًا، يسارع لتقديم المساعدة لكل محتاج. سلك محمد درب الجهاد إيمانًا منه بعدالة قضيته، وثأرًا لكرامة الفلسطينيين الذين يعانون يوميًا ويلات الاحتلال ومستوطنيه. في الثاني من ديسمبر/كانون الأول عام 2023، ارتقى غيث شهيدًا برفقة ثلاثة آخرين جراء عدوان الاحتلال المتواصل على مخيم نور شمس، بعدما استهدفتهم طائرة مسيّرة لقوات الاحتلال.


اقرأ أيضًا: سندس لفداوي: الأم التي بدأ رمضانها في المعتقل


لا تنسى الأم تفاصيل ذلك اليوم. تقول: "كان في مواجهات بمنطقتنا واضطريت أطلع عند أقارب إلي. لما وقع الصاروخ حسيت بوجع بقلبي. صارت الشباب تتداول أسماء من المخيم، وما قبل حدا يخبرني بإشي بالبداية. قلقت كثير، أعصابي كانت بدها تتفجر وأنا أدعيله. الوقت حسيته سنة. بالصدفة سمعت بنت الجيران بتحكي إن إصابته خطيرة، وبعد ساعتين من الإصابة حسيت إنه ابني غيث فارق الحياة، لحد ما قرأت الخبر على مجموعة تلغرام."

وسط حالة من الحزن والألم عاشت العائلة وجع الفقد للمرة الأولى. بلا شك أن الفقد موجع، ولحظة تلقي الخبر هي الأشد إيلامًا. بكت أم غيث كثيرًا، لكنها كانت صابرة، ودّعته وهي راضية عنه، تدعو الله بقبول شهادته، ليصبح غيث بعدها ذكرى وصورة. ولطالما كان يردد غيث: "لئن لم نلتقِ في الأرض يومًا وفرّق بيننا كأس المنون فموعدنا بجنة خلدٍ بها يحيى الحنون مع الحنون."

أربع أعياد على الفراق

IMG-20260319-WA0004.jpg

وبعد ستة أشهر ونصف، تجرعت عائلة شحادة مرارة الفقد للمرة الثانية، بارتقاء نجلها محمد في الثاني من يوليو/تموز عام 2024. كانت أم غيث في منزلها، وإذا بصوت انفجار ضخم يهز المكان. علمت مباشرة أنه صاروخ. تقول: "حسيت الصاروخ سقط بقلبي. طلعت خارج البيت أنادي، وقلبي كان حاسس إنه محمد استشهد."

تضيف والدمع يسبق كلماتها: "أصعب اللحظات اللي بتمر على الإنسان، وخاصة الأم. مهما أوصفلك الشعور، الله لا يذوقه لحدا. دايمًا بحمد الله وبقول: اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيرًا منها." وما يجعلها قوية إدراكها لعظيم الجزاء الذي ينتظرها على صبرها، ودعاؤها الدائم بالثبات، وبلقاء نجليها الشهيدين في الجنة بعد أن فرقت بينهما الحياة. ويعزيها أيضًا أنهما مضيا شهداء عن عقيدة صادقة.

في الفترة التي استشهد فيها غيث ومحمد، كان شقيقهما يَعرُب يقبع في سجون الاحتلال، وهو ما ترك غصة في قلب أم غيث، إذ حُرم من وداع شقيقيه. بلوعة تتحدث عن مدى اشتياقها لهما؛ لاحتضانهما، لوجودهما في المناسبات، وتستذكرهما في كل لمة عائلية، وفي كل طعام كانا يحبانه، وفي أماكنهما على مائدة الطعام، وفي ضحكاتهما. كل تلك التفاصيل تشتاقها، بل وأكثر.


اقرأ أيضًا: رجال الميدان: كيف تصنع غزة أبطالها؟


وكانت أم غيث وزوجها قد عمدا إلى تربية أبنائهما الأربعة وابنتهما تربية إيمانية قائمة على الدين وحب الخير، وسط أجواء عائلية دافئة في منزلهم الكائن في مخيم نور شمس بمدينة طولكرم، شمال الضفة المحتلة. وعن نزوحها وهدم المنزل، تبدي حسرتها وحزنها على هدم الاحتلال لمنزلها، الذي كان بمثابة الذكرى الأخيرة المتبقية لها من أبنائها.

تتمنى لو تعود إلى المخيم، لترى منزلها والشوارع والحارات والمساجد، والأماكن التي كان يرتادها غيث ومحمد. أما اليوم فهي نازحة في ضاحية اكتابا بمدينة طولكرم. أما العيد، فأم غيث مرغمة على التأقلم ورسم الضحكة على شفتيها، فما تبقى من أولادها يستمدون القوة منها، فوجب عليها التصنع في بعض الأوقات كي تمنحهم فرحة العيد.