بنفسج

نحن لا نعد الأيام.. بل نعد الفقد في غزة

الخميس 26 فبراير

الفقد في غزة
الفقد في غزة

اسمي ليان الولايدة، فتاة من غزة، لم أتجاوز الخامسة عشرة من عمري. أكتب هذه الكلمات لا لأروي حكاية شخصية فحسب، بل لأحمل صوت مخيمٍ كامل، وصوت أطفال ونساء ورجال يعيشون اليوم بين الخيام، والفقد، والخوف. هذه ليست قصة حزنٍ عابر، بل شهادة حياة من قلب المعاناة. غزة… حيث الفقد لا يغادر.

في هذه الأرض، لا نعدّ الأيام، بل نعدّ الفقد. ولا نقيس الوقت بالساعات، بل بعدد الوجوه التي غابت. كل إنسان في هذا العالم ذاق الفقد يومًا ما، لكن في غزة، الفقد لا يزورنا مرة واحدة، بل يسكن معنا في كل دقيقة وساعة وثانية. فقدتُ بيتي، ونزحتُ، وفقدتُ أحد أفراد عائلتي. ومثلي آلاف العائلات التي فقدت بيوتها، ومنهم من فقد عائلته كاملة، ومنهم من فقد جزءًا من جسده، ومنهم من فقد روحه وبقي جسده شاهدًا على الجريمة.

في غزة، يحمل الأطفال حقائب النزوح بدل حقائب المدرسة. يصطفون في طوابير الماء بدل طابور الصباح المدرسي. أطفال خرجوا من تحت الركام يبحثون عن أمهاتهم وآبائهم، بينما أصوات القصف ما زالت عالقة في ذاكرتهم وقلوبهم. يكبر هؤلاء الأطفال وهم يحملون فراغًا كبيرًا، فراغ غياب الأهل، وغياب الأمان، وغياب المدرسة. الطفولة التي كان يفترض أن تكون مساحة للفرح، تحوّلت إلى تجربة ثقيلة من الخوف والوجع.

أما رجال غزة يبكون قهرًا وجوعًا وألمًا، ويحاولون حماية أطفالهم وهم لا يملكون سوى الصبر والدعاء. يحملون عبء العائلة، وعبء النزوح، وعبء تأمين لقمة العيش في ظروف قاسية. أما نساء غزة، فقصتهن صبر طويل. نساء فقدن أبناءهن وأزواجهن، نساء ودّعن أحباءهن دون وداع، ونساء أخفين وجعهن ليبقين سندًا لأطفالهن. الموت في غزة لا يختار، والخسارة تقع على الجميع في عالم يواصل الصمت.

هنا الخيام: وطن مؤقت للألم.. الخيام لا تقي من برد الشتاء ولا من حرّ الصيف، هي مجرد نايلون لا يحمي من المطر ولا من الرياح. في الليل، يهطل المطر فتغرق الخيام، ويرتجف الأطفال من البرد. ووقود النار داخل الخيمة وجع آخر؛ فالحطب نادر، فيخرج الأطفال يجمعون بقايا النايلون لإشعال نار تُبقيهم أحياء. الماء والطعام محدودان، والمرض ينتشر بسرعة، لكن الناس يحاولون التأقلم، لأن لا خيار آخر.


اقرأ أيضًا: رجال الميدان: كيف تصنع غزة أبطالها؟


رغم كل شيء… ما زلنا نحلم الناجي يعيش صراع الاستمرار وحده، بين ذاكرة مثقلة بالخسارات، وخوف دائم، ومحاولة للبقاء. ورغم الصدمة والفقد، تبقى في القلب ذرة أمل، أمل بأن الحياة ستستمر، وأن العوض جميل، وأن هذا الليل سينتهي يومًا ما. أطفال غزة ما زالوا يحلمون، بالعودة إلى المدرسة، وباللعب دون خوف، وبطفولة تشبه طفولة باقي أطفال العالم. نأمل أن تعود الحياة والفرح إلى قلوبنا بعد هذه المعاناة.

نريد للعالم أن يعرف أننا لسنا أرقامًا، بل بشر. نعيش في الخيام، نرتجف من البرد، ونعاني من الجوع، لكننا ما زلنا نتمسك بالحياة، ونحلم بالأمان. هذه هي غزتي، وهذا هو مخيمي، وجعٌ كبير، لكن فيه قلوب لم تنكسر بعد.